لم يفز "دونالد ترامب" في انتخابات عام ٢٠٢٤ بسبب عامل واحد، لكن حملته أدركت مبكرًا قوة البودكاست والمؤثرين في الوصول إلى الناخبين بعيدًا عن الإعلام التقليدي. ومن أبرز الأمثلة ظهوره مع "جو روغان" في مقابلة تجاوزت مدتها ثلاث ساعات وحصدت أكثر من ٤٠ مليون مشاهدة على يوتيوب خلال أيام قليلة. وقال مستشار حملة "ترامب" "أليكس برويسويتز" إن التواصل مع مقدمي البودكاست والمؤثرين يتيح للناس رؤية الجانب الإنساني من "ترامب" الذي يرى أن وسائل الإعلام التقليدية لا تظهره.

هذا التحول يتزامن مع أزمة ثقة واضحة في الإعلام التقليدي. فقبل انتخابات عام ٢٠٢٤ بأسابيع، أظهر استطلاع لمؤسسة "غالوب" أن ٣١% فقط من الأمريكيين يثقون بدرجة كبيرة أو معقولة في قدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على نقل الأخبار بصورة كاملة ودقيقة وعادلة. وفي بريطانيا أظهرت دراسة نُشرت عام ٢٠٢٥ أن ٥٨% ممن تقل أعمارهم عن ٣٥ عامًا يعتبرون وسائل التواصل الاجتماعي مصدرهم الرئيسي للأخبار السياسية، ما يكشف حجم التحول في الطريقة التي يستهلك بها الشباب المعلومات.

وأصبحت الأحزاب السياسية نفسها تتعامل مع هذا الواقع. ففي المؤتمر الوطني الديمقراطي عام ٢٠٢٤ حصل أكثر من ٢٠٠ من صناع المحتوى على اعتمادات لتغطية المؤتمر، مع تخصيص منصة ومساحات لهم داخل موقع الحدث، في خطوة غير مسبوقة هدفت إلى الوصول إلى جماهير لا تتابع وسائل الإعلام التقليدية بانتظام. وهذا لا يعني أن المؤثر أصبح صحفيًا لمجرد حصوله على الاعتماد، لكنه يوضح أن السياسيين أصبحوا ينظرون إلى صناع المحتوى باعتبارهم قناة إعلامية مؤثرة بحد ذاتها.

المشكلة ليست في أن كل مؤثر مصدر خطر أو أن كل صحفي مصدر موثوق، بل في اختلاف قواعد العمل. فالصحافة المهنية تعمل عادة ضمن أنظمة للتحرير والتحقق والمساءلة، بينما يستطيع المؤثر نشر المعلومات مباشرة إلى جمهور قد يصل إلى الملايين من دون المرور بالآليات نفسها. وهكذا لم يعد التحول مجرد مسألة تكنولوجيا، بل أصبح تحولًا في طبيعة الثقة نفسها؛ فعدد متزايد من الناس يثقون بالأشخاص الذين يشعرون أنهم قريبون منهم أكثر من المؤسسات، وهو ما يمنح صاحب الجمهور الكبير قدرة هائلة على التأثير، سواء كانت المعلومة التي يقدمها دقيقة أم لا.