هل شاهدت البدر من قبل كبيراً ومنيراً، يتوسط السماء بشكل ساحر في ليلة صافية، فسارعت لرفع هاتفك أو كاميرتك لتصويره، لكنك حصلت على صورة بعيدة وصغيرة وباهتة لا تعكس شيئاً من جمال ما تراه عينك؟ وتتساءل عن سبب ذلك؟ .. قبل التفصيل بالإجابة من المهم أن نشير الى أن كلمة السر هي الإدراك. الرؤية البشرية مسألة إدراك للعالم، وليست عملية التقاط صور فحسب. إنها تجربة تجمع الجودة التقنية العالية ومعالجة مستمرة للمعلومات الملتطقة، ثم الشعور بها وفهمها.
دقة عالية جداً
دقة العين البشرية أثناء الحركة هي ٥٧٦ ميجابيكسل أما دقة كاميرا "آيفون ١٤ برو" هي ٤٨ ميجابيكسل. هذا يعني أن الصورة يجب أن تحتوي على ٥٧٦ ميجابيكسل كي تملأ مجال رؤيتنا بالكامل ونراها بالدقة والحدّة نفسيهما كما في الواقع. هذا يعني أن كمية التفاصيل التي تستطيع العين البشرية التقاطها تفوق بكثير ما تستطيع أحدث الكاميرات التقاطها. عندما تتوقف العين لالتقاط لقطة واحدة ثابتة فإن الدقة تنخفض الى ٥ - ١٥ ميجابيكسل، ولكن الرؤية البشرية ليست مجرد التقاط صور ثابتة.
ضبط تلقائي لكمية الضوء
العين ثاني أكثر الأعضاء تعقيداً في أجسامنا بعد الدماغ، وإحدى معجزات خلق الله الكثيرة. من حيث طريقة عملها، فهي تحدد بشكل تلقائي كمية الضوء الذي تحتاجه للرؤية، وذلك من خلال العضلات الصغيرة المحيطة بالحدقة، إذ تسترخي لتجعل حدقة العين أصغر. وهذا يحمي العين من السطوع المفرط في حال كانت الإضاء عالية، وتتقلص فيكبر حجم الحدقة، لتسمح بدخول أكبر كمية من الضوء حيثما تكون الإضاءة منخفضة، كما أن العين البشرية مضبوطة منذ خلقها للتعامل مع جميع حالات الطقس، كيفما كانت كميات الإضاءة المتوفرة.
أحدث الكاميرات ليس لها دماغ
تكون صورة الأجسام مقلوبة داخل أعيننا، وهنا يأتي دور الدماغ في فك تشفير الصورة ومعالجة ما نراه. وهناك أعصاب ومستقبلات خاصة تحول الضوء القادم من العين الى نبضات عصبية في الدماغ، وعمل الدماغ أكبر بكثير من مجرد تعديل الصورة لنراها بشكلها الصحيح. ما يقوم به الدماغ هو اللغز الذي يمنحنا التفوق على أحدث الكاميرات، فحتى لو تفوقت تقنياً على العين البشرية، فإنها تبقى عاجزة عن نقل تجربة الرؤية البشرية كما هي في الواقع، فماذا يفعل الدماغ؟
الدماغ يركّب أجزاء الصورة
كشفت الدراسات الحديثة قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمشهد لمدة ١٥ ثانية بعد رؤيته، وهذا يعني أننا عندما ننظر الى مشهد على جانبنا الأيمن، ستلتقط أعيننا الصورة وترسلها الى الدماغ بكل تفاصيلها الدقيقة، ثم نلتفت الى جانب آخر فتلتقط العين صورة جديدة أخرى. يقوم الدماغ بتجميع الصورتين وملء الفراغات وإنشاء صورة بانورامية متكاملة أوسع من مجال الرؤية ومن الصورة الملتقطة بحد ذاتها.
ثبات مدهش
يقوم دماغنا بمعالجة العالم المتحرك من حولنا بثبات مدهش لا تستطيع الكاميرات القيام به، مهما بلغ مستواها التقني، لهذا يعتبر تصوير مجموعة من الأشخاص يركضون دون أن تهتز الكاميرا أمراً لا يمكن تحقيقه إلا من خلال استخدام عصا تصوير خاصة.
مجال بصري معقد
تحتوي الكاميرات على مجموعة من العدسات ذات مجالات بصرية متعددة، بعضها ضيق يمكن من خلاله رؤية المشهد قريباً، وبعضها واسع يمكن من خلاله رؤية المشهد بعيداً، وهناك عدسات التكبير التي يكون لها مجال بصري متعدد يمكن تغييره بالتكبير والتصغير. جميع هذه العدسات تكون أطوالها محددة، فقد تكون ٢٤ مم أو ٥٠ مم أو من ١٨ الى ٥٥ مم. أما الرؤية البشرية فهي تجربة مختلفة، لأن الدماغ يحدد أهم الأجزاء في المشهد، ثم يركز عليها بغض النظر عن المسافة، فلا يمكن تحديد المجال البصري للعين البشرية برقم كما نفعل مع الكاميرا، لأن الدماغ أذكى من أن يتقيد بأرقام.
التنقل بين البعيد والقريب ببراعة
عند نظرنا الى طائر يقف على غصن شجرة، فإن دماغنا قادر على تحديد أهم الأجزاء في المشهد، والتركيز عليها، وتجاهل كل ما يحيط بها. وفي الوقت نفسه إذا أردنا رؤية تفاصيل أكثر، فإننا نستطيع فعل ذلك في لمح البصر، كما أن باستطاعتنا الانتقال ببراعة بين المشهد القريب والبعيد. وهذا لا تقوى عليه عدسة الكاميرا.
رؤية ثلاثية الأبعاد
ترى العين البشرية العالم ثلاثي الأبعاد، بينما تراه جميع الكاميرات المتوفرة حالياً ثنائي الأبعاد. كما أن النطاق الديناميكي الذي تدركه العين البشرية بشكل تلقائي يحافظ على التوازن بين أجزاء الصورة المظلمة، والأجزاء المضيئة، فيكون التباين دقيقاً، وهذا ما يسمى في شاشات التلفاز الحديثة "HDR" أو النطاق الديناميكي العالي الذي يعالج درجة السطوع وتوزيع الظلال ودرجة التباين. ثم إن العين تعالج المعلومات التي تلتقطها حولها باستمرار بدون توقف. في النهاية فإن الرؤية تجربة إدراكية تتفاعل فيها معجزتا الدماغ والعين، وهما أول وثاني أكثر الأعضاء التي خلقها الله في أجسامنا تعقيداً، ومن الصعب جداً تكرار الإدراك البشري في الكاميرا مهما كانت حديثة تقنياً.
