كانت مدينة "ويلمنجتون" في عام ١٨٩٨ ميناء كبيراً ومزدهراً، يضم طبقة وسطى سوداء متنامية وناجحة، تضم أطباء ومعلمين ومحامين ورجال شرطة، ولها حق الانتخاب، وذلك بعد تحرير العبيد بعدما سالت الدماء في الحرب الأهلية الأمريكية بين الشماليين والجنوبيين عام ١٨٦٥. وضمت المدينة الصحيفة اليومية السوداء الوحيدة في البلاد آنذاك "ديلي ريكورد".
مخاوف من صعود السود
كان الحزب الجمهوري يؤمن بالتكامل العرقي، فتشكل تحالف الاندماج بين الجزب الشعبوي من الفلاحين البيض مع السود المحررين، ضد الديمقراطيين حيث الأثرياء البيض، فاكتسحوهم وطردوهم من السلطة، فدعا الديمقراطيون الى نبذ الاندماج، وأشعلوا الغضب ضد السود، ودعوا في الجرائد الى التخلص من خطر السود وطردهم، ونشروا عنهم رسوماً ساخرة.
اشتعال الفتيل
بعد حملات صحفية واسعة ضد السود، بات المناخ جاهزاً للعنف، فاقتحم رجال الشرطة البيض منازل السود، هددوهم بالقتل حال تصويتهم في الانتخابات، وجلدوا المعارضين لأوامرهم. وفي يوم الانتخابات تجمعت حشود البيض المسلحة خارج مقار اللجان الانتخابية ليمنعوا السود من الدخول والاقتراع، فجاءت نتيجة الانتخابات بفوز شامل للديمقراطيين بكل المناصب.
انقلاب البيض
أعلن البيض في إعلان الاستقلال أن لن يُحكم البيض بعد الآن من قبل رجل من أصل أفريقي. جُرّد السود من حق التصويت، وطُلب منهم تسليم أعمالهم المدنية للبيض. تزعم الديمقراطي "ألفريد مور واديل" ميليشيا بيض مسلحة، وأجبروا العمدة الجمهوري المُنتخب على التنحي، وأعلن "واديل" نفسه عمدة للبلدة.
لا مُغيث
أكثر من ٣٠٠ رجل أسود قتلوا على يد الميليشيا البيضاء، ساعدتهم في عمليات القتل الشرطة الرسمية العنصرية. تجاهلت الحكومة الفيدرالية نداءات أهل ويلمنجتون، كما تجاهل البيت الأبيض نفسه استغاثاتهم، فتوسعت الميليشيا البيضاء في طرد المواطنين السود، وبدأت الحكومة المٌنقلبة في وضع قوانين "جيم كرو" للفصل العنصري بصفتها قوانين محلية نافذة.
هروب السود
لم يُقبض على أي أحد شارك في الانقلاب أو في عمليات القتل أو في مداهمة منازل السود وترويعهم، وهرب السود خارج المدينة، حتى وصل عدد السود في البلدة الى ٦ آلاف ناخب فقط عان ١٩٠٢ من أصل ١٢٦ ألف ناخب. وحُرم السود من أي منصب محترم أو عام في ويلمنجتون لما يزيد عن ١٥٠ عاماً، وأُعيد انتخاب أول عضو كونجرس أسود بعد هذا الانقلاب في عام ١٩٩٢.
طمس التاريخ
عمل سكان المدينة ومؤرخوها على تغطية ماضيها، وادعت كتب التاريخ بأن الهجوم كان أعمال شغب عرقية بدأها السكان السود وقمعها المواطنون البيض، وأصبح "تشارلز أيكوك"، أحد منظمي الحملة الانتخابية لتفوق البيض، حاكماً لولاية كارولاينا الشمالية عام ١٩٠١، ويقف تمثاله الآن في مبنى الكونغرس الأمريكي، وأُطلقت أسماء من شاركوا في المذبحة على مباني البلدة.
تصحيح للماضي
لم تبدأ المدينة في مناقشة ماضيها حتى التسعينيات من القرن الماضي، ففي عام ١٩٩٨ أحيت السلطات المحلية الذكرى المئوية للهجوم، وبعد ذلك بعامين شكلت لجنة لتقصي الحقائق، كما أُنشئ النصب التذكاري والمتنزه التذكاري لهذه الذكرى، وأُنتج فيلم وثائقي حول هذه الحقبة من التاريخ.