طوكيو .. مدينة خالية من القمامة

أحدثـت تجربة اجتماعية ضجة على منصات التواصل وفي وسائل الإعلام، بسبب نتيجتها غير المتوقعة. فكيف للجوارب البيضاء أن تبقى نظيفة بعد السير مسافة ليست قصيرة في شوارع طوكيو، بل في واحدة من أكثر مناطق المدينة ازدحاماً؟ المفارقة الكبرى أن طوكيو تكاد تخلو من سلال القمامة العامة، ومع ذلك نادرا ما تـرى نفايات ملقاة على الأرض. كيف يعقل هذا؟ وماذا نتعلم من الهندسة والسياسات الصارمة المطبقة هناك؟

حرب بعد الحرب
لم تولد طوكيو بهذه النظافة منذ القدم، فبعد الحرب العالمية الثانية مثلاً، غرقت في أكوام من النفايات مع الطفرة الاقتصادية وثقافة الاستهلاك السريع، فاعتمدت على المطامر. أحدثت المطامر تدهوراً بيئياً شديداً دفع السكان للاحتجاج، لا سيما بعد تسجيل حوادث بارزة، من أشهرها هجوم سرب الذباب الهائل في عام 1965. في عام 1971، كان كل حي يرفض استقبال نفايات الأحياء الأخرى، وبدأت احتجاجات شعبية على الفوضى البيئية، فاضطر الحاكم "ريوكيتشي "مينوبه" لإعلان "حرب القمامة".

ولادة طوكيو جديدة
انبثقت من الأزمة فكرة ثورية، هي أن تتحمل كل منطقة مسؤولية نفاياتها، فلم تعد للعاصمة مكبات تشوّه البيئة وتثير أسراب الذباب، بل أنشئت شبكة من محارق تحويل النفايات إلى طاقة موزعة على الأحياء. وبحلول عام 1985، أصبح في طوكيو 13 مصنعا لحرق النفايات، وهكذا تحولت القمامة من عبء إلى مصدر كهرباء وحرارة. من الجدير بالذكر أن المحارق البدائية خطيرة، لكن طوكيو زودت محارقها بأحدث تجهيزات منع تلوث الهواء، وراعت سلامة الأطفال في المدارس المجاورة.

أين اختفت صناديق القمامة؟
إذا كنت قد زرت طوكيو، فربما لفت انتباهك قلة صناديق القمامة في الشوارع، مع أنها نظيفة جدا. يعود ذلك جزئيا إلى تدابير أمنية اتخذت بعد هجوم غاز السارين في مترو طوكيو عام 1995، فقد أزيلت حاويات كثيرة من الأماكن العامة لتقليل الخطر. لكن هذا ليس السبب الوحيد، ففي الثقافة اليابانية مبدأ راسخ يقول إن "من ينتج القمامة هو المسؤول عن التخلص منها". لهذا يأخذ الناس مخلفاتهم معهم، حتى يعودوا إلى منازلهم، أو يجدوا نقطة مخصصة للتخلص منها، وتبقى الحاويات العامة عادة قرب المتاجر وآلات البيع، وتتحمل إدارتها الجهة المشغلة.

شوارع تنظف نفسها
صممت الأرصفة والشوارع في طوكيو لتمنع تجمع المياه والغبار بما يُسمى "الأسفلت المسامي"، ومعظم الطرق السريعة مغطاة به. في هذا النوع من الأسفلت تُخلط الحبيبات بطريقة تسمح بوجود فراغات هوائية كثيرة، تصبح مثل شبكة تصريف للماء، فلا تتكون برك ماء، ولا يبقى غبار.

التنظيف الليلي يومياً
في كل ليلة تجوب الشوارع دوريات تنظيف تتحرك بسرعة خفيفة وصوت منخفض، وتنظف الأرصفة، فتكون الشوارع في الصباح نظيفة خالية من القمامة. أما الطرق المغطاة بالأسفلت المسامي، فلها صيانة دورية لضمان استمرار تصريف المياه بكفاءة ومنع الانسداد.

معلمة maalama.com
تم النشر في ديسمبر ٢٠٢٥
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة