لا تدوم الصداقة ولا العداوة في عالم السياسة، ولكن دولا متجاورة انتقلت بين النقيضين، من ماضي الدماء والاقتتال والتوتر، إلى حاضر التعاون الاقتصادي والعلمي وبناء تحالفات سياسية قوية. فالتطلع إلى المستقبل قادر على ترويض أشرس العداوات التاريخية. إليكم سبع قصص مختارة حول العالم، بين ماضي الدماء وحاضر الصداقة.
بولندا وألمانيا
لا تزال ذاكرة بولندا مثقلة بآثار الغزو النازي، الذي خلف جرحا عميقا في وعيها الجمعي، وأحدث تحولات سكانية قاسية، أودت بحياة نحو ٦ ملايين إنسان. وبسبب هذه المرحلة المؤلمة، ساد الجمود السياسي عقودا، لا سيما وقادة البلدين متباينون فكريا إبان الحرب الباردة. لكن انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي أعاد رسم الشراكة، فأصبحت رابع أكبر شريك تجاري لألمانيا، بحجم تبادل يقارب ١٧٠ مليار يورو، ولم تضعف التوترات السياسية المتقطعة قوة التعاون، لا سيما والاقتصاد البولندي يعتمد على السوق الألمانية، لاستيعاب ربع صادراته.
المملكة المتحدة وأيرلندا
بعد عقود من الصراع في أيرلندا الشمالية، بين أنصار توحيد أيرلندا وأنصار البقاء ضمن المملكة المتحدة، وضعت اتفاقية "الجمعة العظيمة" عام ١٩٩٨ حدا للعنف الذي خلف نحو ٣٥٠٠ قتيل، ونصت على ازدواجية هوية الأيرلنديين الشماليين، بين أيرلندا وبريطانيا. ومع أن بريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي، ولاقت تحديات جمركية في ذلك، فقد حافظت التجارة بين البلدين على حيويتها، بقيمة إجمالية تقارب ٩٥ مليار جنيه إسترليني، وبقيت الحدود مفتوحة بينهما. أطلقت أيرلندا مبادرة "الجزيرة المشتركة"، فخصصت ميزانيات ضخمة لمشاريع تنمية عابرة للحدود، بتعاون مع المملكة المتحدة.
ألمانيا وفرنسا
تعد فرنسا وألمانيا أبرز نموذج لتحول العداء التاريخي إلى تحالف قوي؛ فبين عامي ١٨٧٠-١٩٤٥، اندلعت ٣ حروب مدمرة بين البلدين، منها حربان عالميتان، قتل فيهما عشرات الملايين. تغير ذلك جذريا بتوقيع معاهدة الإليزيه عام ١٩٦٣ بين فرنسا وألمانيا الغربية، فنشأت إرادة سياسية جديدة طوت صفحة الصراع، ومهدت لأن يصبح البلدان لاحقا المحرك الأساسي للمشروع الأوروبي. واليوم يمثل هذا الثنائي محرك الاقتصاد الأوروبي، بتبادل تجاري بلغ ١٨٢ مليار يورو عام ٢٠٢٤، كما يجتمع "مجلس الدفاع والأمن الفرنسي الألماني" بانتظام، لتنسيق العقيدة العسكرية ومشاريع التسلح المشترك.
اليابان وكوريا الجنوبية
أحدث الاحتلال الياباني جرحا كبيرا في الذاكرة الكورية، باستعباده ملايين من الناس لدعم الصناعة العسكرية وقتل عشرات الآلاف، وانتهاك شرف مئات الآلاف من النساء. لكن التهديدات المشتركة، وانفصال الكوريتين، أدى إلى واقع جديد بين الشطر الجنوبي الكوري واليابان، لا سيما بعد قمة كامب ديفيد التاريخية. وقد بلغ التعاون الأمني حديثا مستويات دفاعية غير مسبوقة، وتجاوز التبادل التجاري ٧٧ مليار دولار في ٢٠٢٤ مع قوة الاستثمار الياباني في كوريا، الذي قفز إلى مستويات لا مثيل لها.
فيتنام والصين
خاضت فيتنام والصين حرب حدود دموية عام ١٩٧٩، قتل فيها عشرات الآلاف منهما، ولا تزال النزاعات البحرية حتى اليوم بؤرة توتر ساخنة. ومع ذلك، فقد بنيا نموذجا فريدا من "إدارة التناقضات"، فازدهر التعاون الاقتصادي البري، وأدير التنافس البحري بحذر شديد، لمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وهو ما تسميه فيتنام سياسية الخيزران، أي أنها مرنة ولكنها قوية جدا في الدفاع عن مصالحها. بحلول نهاية عام ٢٠٢٤، بلغت التجارة بينهما ٢٠٥ مليار دولار، وهو رقم قياسي يعكس اندماج فيتنام الكامل في سلاسل التوريد الصينية، لا سيما والحزبان الحاكمان متقاربان فكريا.
بيرو والإكوادور
كانت حرب "سينيبا" عام ١٩٩٥ نزاعا عسكريا مؤلما بين بيرو والإكوادور، قُتل فيه نحو ٣٠٠-٥٠٠ قتيل منهما، لكن اتفاقية السلام عام ١٩٩٨ أوقفت القتال، وأسست . نهجا رائدا عالميا هو "السلام التنموي". ومع أن سبب الحرب المباشر نزاعات حدودية، فقد أدرك الطرفان أن الفقر وتهميش المناطق الحدودية أسهم في الصراع، فعملا على إنشاء خطة ثنائية لتنمية هذه المناطق، أضحت مرجعا دوليا. تتميز العلاقات حاليا بمستوى عال من التنسيق السياسي، عبر مجالس الوزراء "ثنائية القومية"، وتدار مشتركة ملفات الصحة والتعليم والبنى التحتية باشتراك، كما يعملان البلدان بقوة لتأمين الحدود من عصابات الجريمة المنظمة.
البرازيل والأرجنتين
في عقد السبعينيات، كانت البرازيل والأرجنتين عدوين لدودين، تحكمهما أنظمة عسكرية، ويخوضان سباقا خطيرا لاكتساب التقنية النووية، فأثارا رعب المنطقة، وكاد ذلك يبلغ مواجهة بينهما. وبعد التحول الديمقراطي، اختار البلدان حلا مميزا للتنافس، فتوجها للتعاون، وأسسا "الوكالة البرازيلية - الأرجنتينية للمحاسبة والرقابة" عام ١٩٩١، وهي الوكالة الوحيدة في العالم التي تتيح لمفتشين من دولة ما تفتيش المنشآت النووية بجارتها، ولا تزال تعمل حتى الآن. كما وقعا معاهدة "أسونسيون" التي أطلقت اتفاقية "ميركوسور" (سوق الجنوب المشتركة)، ومع أن الخيارات السياسية والاقتصادية متباينة، فقد عُزل الملف النووي عن رياح التقلبات.