لطالما رُوّج للسيارات الكهربائية بأنها الحل الأخضر لمستقبل خالٍ من الانبعاثات، وأيقونة الحداثة التي ستنقذ الكوكب من الاحتباس الحراري. لكن خلف هذا البريق البيئي حقائق أكثر تعقيداً، من بطاريات قد تنفجر أو تحترق، وأنظمة ذكية قد تخطئ وتحدث حوادث مميتة، ومعادن نادرة تستخرج من أعماق الأرض بثمن باهظ على الإنسان. فماذا نعرف عن هذا الجانب المظلم من السيارات الكهربائية؟
تسلا.. طفرة السيارات الكهربائية في ٢٠٠٨
مع مطلع الألفية الجديدة، انطلقت السيارات الكهربائية في طفرة غير مسبوقة، فقد تزامن تطور بطاريات أيون الليثيوم مع تصاعد المخاوف من تغير المناخ، وارتفاع أسعار الوقود. وكان عام ٢٠٠٨ محطة فارقة، عند طرح أول سيارة كهربائية تجارية ناجحة من إنتاج شركة "تسلا" الأمريكية، التي أثبتت أن هذه المركبات يمكن أن تكون قوية وسريعة وجذابة للمستهلك.
تسابق عالمي للحاق بالركب
فتح نجاح شركة "تسلا" عهداً جديداً أمام المركبات عديمة الانبعاثات، فتسابقت الشركات الكبرى لدخول هذا المجال فانتقلت السيارة الكهربائية من مشروع محدود التجارب، إلى صناعة بمليارات الدولارات، تقود مستقبل النقل. لكن وراء وهج الصعود المبهر، برزت منعطفات أخرى أقل إشراقاً. فبينما احتفى العالم بها رمزاً للنظافة والاستدامة، تكشف تدريجياً جانب آخر لا يقل أهمية.
نظام القيادة الذاتية.. إخفاقات قاتلة
أظهرت التحقيقات الرسمية أن أنظمة القيادة الذاتية في سيارات "تسلا" وغيرها من السيارات الكهربائية الأخرى، كانت مرتبطة بعدد من الحوادث المميتة. فقد لقي مهندس أمريكي مصرعه عام ٢٠١٨، عندما اصطدمت سيارته بحاجز خرساني، وأظهرت التحقيقات أن النظام أخفق في التعرف على الحاجز، وتوجيه السيارة توجيهاً صحيحاً. وفي ٢٠٢٤، أصدرت إدارة سلامة المرور الأمريكية على الطرق السريعة تقريرا يفيد بأن نظام القيادة الآلية كان مرتبطاً بـ ٤٦٧ حادثاً، أصيب فيها ٥٤، وتوفي ١٤.
حوادث اشتعال تدق ناقوس الخطر
إلى جانب إخفاقات أنظمة القيادة الذاتية، سجلت عدة حوادث حقيقية مرتبطة بانفجار بطاريات الليثيوم أيون أو اشتعالها، مظهرة خطر هذه المركبات تقنياً. ففي عام ٢٠٢٥، توفي سائق "تسلا" في مدينة تورانس بولاية كاليفورنيا، بعد أن اشتعلت بطارية سيارته إثر اصطدام. وفي عام ٢٠٢٤، اشتعلت ١١ سيارة كهربائية و ٤٨ بطارية بولاية فلوريدا، بعد تعرضها للمياه المالحة. وفي كوريا الجنوبية، اشتعلت سيارة كهربائية عام ٢٠٢٤ من نوع "مرسيدس"، في مرأب تحت الأرض بمدينة إنتشون، وأحدث أضراراً كبيرة.
الجانب القاسي في استخراج الكوبالت
نتوجه الآن إلى جانب آخر لا يكثر الحديث عنه، ألا وهو استخراج معدن الكوبالت الأساسي لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية. فمن أجل استخراجه، يجبر العمال الفقراء في مناجم الكونغو على العمل في ظروف قاسية، مقابل أجور زهيدة. يعيش هؤلاء العمال - ومنهم كثير من الأطفال - في فقر مدقع وظروف خطرة، يعملون ساعات كثيرة تحت تهديد الإصابات والموت، لاستخراج الموارد الحيوية التي تغذي بطاريات السيارات الكهربائية حول العالم.
ثروة معدنية وفقر مدقع
تعد جمهورية الكونغو الديمقراطية ثرية بمواردها المعدنية، لكن سكانها في فقر مدقع، ويشكل الكوبالت جزءاً أساسياً من ثروتها، ويستخرج نحو ٨٠% منه في مناجم صناعية، تديرها شركات عالمية. هذه الشركات غالباً ما تلتزم بمعايير السلامة والصحة المهنية، لكنها تركز جهودها على أفضل المناطق، تاركة للعمال المحليين مساحات شاسعة من المناجم العشوائية، تحت ظروف خطرة.
أجور زهيدة واستغلال ممنهج
تمثل مناطق التعدين الصغيرة للتعدين نحو ٢٠% من إجمالي مناجم الكونغو، وقد خصصتها الحكومة في تكوينات جيولوجية غير جذابة للاستخراج. لذلك، يضطر كثير من عمال المناجم للعمل خارج القانون، بعيداً عن قراهم، فيستغلهم وسطاء أجانب، ويمنحونهم أجوراً زهيدة تقل بكثير عن الحد الأدنى، البالغ نحو ٤ دولارات يومياً.
دولة داخل دولة
يبلغ إنتاج الكوبالت عالمياً نحو ١٤٢ ألف طن سنويا، ٩٠ ألفاً منها من الكونغو الديمقراطية، فهي المصدر الرئيسي الذي لا يمكن الاستغناء عنه لتلبية الطلب العالمي. تعمل الشركات الأجنبية - وعلى رأسها الصينية - في المناجم الكونغولية بنفوذ قوي، حتى أصبحت "دولة داخل دولة". وغالباً ما يرفض السكان المحليون التحدث عن ظروف عملهم تحت إشراف هذه الشركات، خوفاً من فقدان مصدر عيشهم.
يشترون الكوبالت بـ ٧٠ يورو للكيس
تعمل الشركات الأجنبية على جمع أحجار الكوبالت من السكان المحليين، الذي يشتغلون في المناجم التقليدية، ويتشرون كل كيس بنحو ٨٠ دولارا، بعد فحصه لتحديد نسبة الكوبالت. وتركز هذه الشركات على جمع أكبر كمية ممكنة من المعدن بأقل تكلفة، من دون متابعة مصدره، أو معرفة من استخرجه، أو ظروف العمل المحيطة به.