تقع جزر فيجي الغامضة في المحيط الهادئ، ومنذ بداية القرن ١٨ عرفت لدى الغرب بأنها مكان لأكل لحوم البشر. كانت التقارير الأولى من مستكشفين منهم الربان البريطاني "جيمس كوك"، فقد قال إنهم يأكلون لحوم أعدائهم بعد قتلهم في المعارك. لم تأت التسمية من فراغ، فقد أظهرت المصادر أنه طقس ذو دوافع ثقافية عميقة، لكنه ليس عادة غذائية، ويهدف لإظهار أقصى درجات السيطرة المطلقة وعدم الاحترام للعدو المنهزم بمعنى أنه له أساس انتقامي.
ما أساس هذه النظرة؟
وفقًا للثقافة المحلية، كان يعتقد أن أكل العدو وسيلة لامتصاص قوته أو روحه، وفي ذلك إذلال للخصم حتى بعد الموت. كان المبشر القس "توماس ويليامز" قد أقام في فيجي في القرن ١٩، وهو من أبرز المصادر الأجنبية التي وصفت أكل لحوم البشر، في كتابه "فيجي والفيجيون.. أعمال تبشيرية بين آكلي لحوم البشر"، مع الكاتب "جيمس كالفرت". كما أن الكاتبة "ماري" ديفيد واليس" رسخت تلك الصورة المرعبة بكتابها "الحياة في فيجي: خمس سنوات بين اكلي لحوم البشر" (١٨٥١)، من خلال قصصها المثيرة التي قرأها جمهور غربي كبير، مع أنها لم تنشر الكتاب باسمها في البداية.
واقعة توماس بيكر
في عام ١٨٦٧، قتل المبشر البريطاني القس "توماس بيكر"، وهو الأوروبي الوحيد الذي قتل وأكل في فيجي، فكانت تلك الحادثة أبرز ما عزز سمعة أكل البشر فيها. وكان قد اتهم بإهانة زعيم القبيلة، حين لمس رأسه وهو نائم، فوجدوا ذلك تجاهلاً لسلطة الزعيم. وتقول رواية أخرى إنه وضع كتاباً مقدساً محلياً على الأرض. كما تذكر رواية ثالثة أن الأمر كان صراعاً بين المسيحية وبين أصحاب المعتقد المحلي. وقد قتل معه بعض أتباعه الفيجيين، فلاقوا المصير البشع، وهرب آخرون، وأدت الواقعة إلى إنهاء البعثة التبشيرية، لا يزال الحجر الذي قتل به معروضاً في قرية نابوتاتاو.
الزعيم آكل البشر
يعد الزعيم "راتو أودري أودري" من الشخصيات المعروفة في فيجي، ويقال إنه أكل ٨٧٢ إنسانا، وكان يحتفظ بسجل من الأحجار لكل ضحية. وقد منحته موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية لقب "أكثر الناس أكلا للحوم البشر"، مع أن قصته تثير الجدل، ويرى باحثون أن الرقم مبالغ فيه، ويزعم آخرون أنه أكل أكثر من ذلك. وأما سجل الحجارة فكان لتتبع عدد ضحاياه، فكلما أكل لحم إنسان وضع حجرا يرمز إليه. وتذكر كتابات أن تلك الأكوام كانت ترى قرب منزله.
أحد مبررات الاستعمار
عانت جزر فيجي من انتشار تلك الصورة السيئة، لا سيما وقد استغلتها قوى الاستعمار لتبرير التدخل والسيطرة عليها، مصوّرة السكان بأنهم "همجيون" بحاجة إلى "الحضارة"، كما بولغ في تصوير الجزر بمنظار أكل البشر. لم تنعم فيجي بالوحدة قبل الاستعمار إلا ٣ سنوات، بين ١٨٧١ - ١٨٧٤ تحت حكم الزعيم "راتو سيرو إبينيزا ثاكومباو"، وبعد ذلك استعمرت بريطانيا الجزر، وبقيت تحكمها ٩٦ عاما.
محاولات للتصالح مع التاريخ
أظهرت الحفريات الأثرية في فيجي أدلة على أكل لحوم البشر منها علامات القطع على العظام البشرية، وذلك ما يدعم وجودها تاريخياً. حاولت فيجي تجاوز تلك السمعة المظلمة، ففي عام ٢٠٠٣، أقيم حفل مصالحة بين أحفاد القبيلة التي قتلت "توماس بيكر" وبين أحفاده، لطي صفحة الماضي، وتأكيد الهوية الحديثة. وقد زارها عام ٢٠٢٤ نحو مليون سائح، وهو قريب من عدد سكانها، لكن بعدها يصعب زيارتها، إذ تتجاوز مدة الرحلة من أوروبا ٢٤ ساعة من الطيران، مع ارتفاع كبير في أسعار التذاكر.