التاريخ الاستعماري للكونغــو

ركبت بلجيكا قارب الاستعمار متأخرة في نهاية القرن الـ ١٩، بحثا عن نصيبها من الكعكة، وتحديدا أفريقيا، وذلك بعد استقلالها عن هولندا بعقود قليلة. ومع ذلك، فقد سيطرت على مناطق شاسعة في أفريقيا، أهمها الكونغو البلجيكية (الكونغو الديمقراطية) و"رواندا - أوروندي"، وهما اليوم دولتا رواندا وبوروندي، وكانتا تحت الاحتلال الألماني، لكن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى حولت السيطرة إلى بلجيكا.

تقسيم الكعكة الأفريقية
في ظل موجة الاستعمار الأوروبي لأفريقيا، وتكالب القوى على ثرواتها، دعا الزعيم الألماني "أوتو فون بسمارك" عام ١٨٨٤ إلى عقد مؤتمر للدول الأوروبية في برلين، كي لا يتفاقم سباق الغزاة إلى حروب طاحنة. استعمرت بلجيكا ما كان يسمى يومئذ "الكونغو الحرة"، وهي أكبر من بلجيكا الصغيرة عشرات المرات، وقد حقق الملك "ليوبولد الثاني" يومئذ حلمه بالاستحواذ على ثروات حوض الكونغو، وأدخل شعب المنطقة إلى واقع غير مسبوق من الاستعباد.

استغلال التبشير في الاستعباد
موّل الملك "ليوبولد الثاني" كثيراً من المباني الفخمة في بلاده من عائدات المطاط والأخشاب والعاج وغيرها، واعتمد خطة ظاهرها التبشير وباطنها الاستغلال. يظهر ذلك في رسالة أرسلها إلى المبشرين البلجيكيين، ومما جاء فيها: "ستسمح لك معرفتك بالإنجيل بإيجاد نصوص تأمر أتباعك وتشجعهم على حب الفقر.. بشّر الزنوج حتى يظلوا إلى الأبد خاضعين للمستعمرين البيض، فلا يثوروا أبداً على قيودهم".

جيش قطع الأطراف
كان على الجنود إذا أرادوا أن يثبتوا لضباطهم أنهم لم "يهدروا رصاصاتهم على الحيوانات" أن يحضروا الأطراف البشرية التي بتروها، وفي بعض الحالات، يمكن للجندي تقصير مدة خدمته العسكرية بجلب أيادٍ أكثر. كما كان شائعاً اختطاف النساء والأطفال من القرى واحتجازهم رهائن، لإجبار رجالهم على الذهاب إلى الغابات المطيرة لجمع المطاط، وكانوا أيضا يُحرمون من الطعام، فمات كثير منهم جوعاً.

جرائم المطاط
فقدت الكونغو في بضعة عقود نصف عدد سكانها البالغ ٢٠ مليون إنسان، وذاقت ألواناً من الفظائع في جمع المطاط. فمن ذلك أن مطاطها يأتي من كروم برية في الغابة لا يمكن زراعتها، على عكس مطاط البرازيل، الذي كان يستخرج من الأشجار ومن الممكن زراعته. ولاستخراج المطاط، كان العمال يجبرون على شق الكروم، ثم يغطون أجسادهم بعصارة المطاط المتسربة، وعندما تتصلب تكشط بقسوة عن الجلد، مزيلة الشعر معها.

"حدائق الحيوان البشرية"
لم يكتف "ليوبولد الثاني" باستغلال الكونغوليين في أرضهم، بل جلب عددا منهم إلى بلجيكا، لعرضهم في "حدائق الحيوان البشرية". أقيم أول معرض في بلجيكا عام ١٨٩٧، وأحضر الملك ٢٦٧ كونغوليا، لعرضهم في بلدة ترفورين وزاره نحو ١.٣ مليون زائر. وخلال تلك المعارض، عُرضت المواد الخام بجانب البشر، وبسبب نجاح المعرض الأول أصبحت ترفورين موقعا دائما للمعرض، وبنيت فيها قرية خاصة بالسود مفتوحة للزوار.

سلوك غربي دام عقوداً
علقت سلطات الملك لافتات على "حدائق الحيوان البشرية"، كتب عليها "لا تطعموا الحيوانات"، بعدما علمت أن الحلوى التي يلقيها الزوار كانت سبب وفاة عدد من السود. لم تكن هذه "الحدائق" في بلجيكا وحدها، بل كذلك في دول أخرى، منها ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والنمسا وحتى أمريكا، لكنها كانت مزدهرة للغاية في بلجيكا. يقدر مؤرخون أن هذه الحدائق" استمرت بين ١٨١٠-١٩٤٠، وزارها ملايين البشر، فأصبحت من أبرز مظاهر العنصرية المتفشية ضد سود البشرة.

الاستسلام للضغط الدولي
شاركت شخصيات أخرى في فضح هذا الإرهاب، ومنهم المصورة البريطانية "أليس سيلي هاريس" التي قدمت أدلة بصرية على الفظائع كصور الأيدي المقطوعة. تحت وطأة الضغط الدولي، سلم "ليوبولد الثاني" الكونغو الحرة عام ١٩٠٨ إلى بلجيكا، فسميت "الكونغو البلجيكية". لم ينه هذا التسليم استعباد شعب الكونغو، لكنه قلل الفظاعات بحقهم، ومن ذلك القتل الجماعي، وتوقفت جرائم المطاط، وبقي الوضع على هذه الشاكلة حتى الاستقلال عام ١٩٦٠.

الإرث الدامي
توفي "ليوبولد الثاني" بعد عام واحد من تنازله عن الكونغو الحرة، ويُحكى أن موكب جنازته قوبل باستهجان في شوارع بروكسل، فقد تضاءلت شعبيته، لأسباب منها انتشار ما اقترفه في أفريقيا. وفي عام ٢٠١٨، خُربت عدة تماثيل تمجده في بروكسل، وفي عام ٢٠٢٠ جمعت عريضة أكثر من ٢٠ ألف توقيع للمطالبة بإزالة تماثيله من العاصمة. وغالبا ما تصبغ تماثيله باللون الأحمر في التظاهرات الرافضة للاستعمار.

معلمة maalama.com
تم النشر في يناير ٢٠٢٦
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة