لا شك أنكم تعرفون الكساد الكبير في الولايات المتحدة عام ١٩٢٩، عندما انهارت أسهم البورصة في وول ستريت، فأحدثت إحدى أعنف أزمات الاقتصاد في العالم خلال القرن الماضي. ولكن للقصة جانبا آخر، يتعلق بظهور بيوت الصفيح في الولايات المتحدة، نتيجة لهذه الأزمة. فماذا وقع تحديداً؟
انهيار وول ستريت
اندلعت الأزمة حين ضخت استثمارات هائلة في سوق الأسهم، فارتفعت الأسعار ارتفاعاً مبالغاً فيه وبعيداً عن الواقع، لا سيما مع انتشار القروض الموجهة للمضاربة، فيما يسمى "الشراء بالهامش". وحين أدرك المستثمرون المتمرسون أن هذا الارتفاع غير طبيعي سارعوا إلى بيع أسهمهم، فهبطت الأسعار هبوطاً حاداً. ثم اضطر كثير من صغار المستثمرين إلى بيع أسهمهم أيضا لتسديد قروضهم، فتفاقمت الأزمة بفعل عوامل داخلية إضافية، وانتهت بكساد عظيم أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٣٠%، وتراجع الإنتاج الصناعي بنحو ٤٧%.
بلدات هوفر
فقد عشرات الآلاف بيوتهم بعد عجزهم عن سداد القروض التي اقترضوها، فأصبحوا مشردين في الشوارع. ومع تفاقم الوضع بدأت تنتشر في ضواحي المدن الكبرى مستوطنات عشوائية من الصفيح، سميت بلدات هوفر"، نسبة إلى الرئيس آنذاك هربرت هوفر"، الذي حمله الناس مسؤولية الانهيار الاقتصادي. شيدت هذه المساكن من بقايا الخردة ومواد غير آمنة، مثل الأخشاب المهملة، وصناديق الكرتون، وقطع الصفيح، فكانت غير صالحة للسكن، لكنها وفرت ملجأ مؤقتا لآلاف الناس، ممن لم يجدوا بديلا عن النوم في العراء.
تعنت الرئيس يفاقم المشكلة
رفض الرئيس "هوفر" تدخل الحكومة لتوفير مساكن للمتضررين فكان يرى أن المساعدات ليست سوى "صدقات"، تقوض روح المبادرة والاعتماد على النفس. ومع أن الأزمة قد تفاقمت وتجلت مظاهرها بطالة وجوعاً وتشرداً، فإن الحكومة الفيدرالية لم تقدم أي إغاثة مباشرة للمواطنين. وقد فرضت إدارة "هوفر" تعريفات جمركية لحماية الشركات الأمريكية، لكن هذه السياسة جاءت بنتائج عكسية، وأسهمت في تعميق الكساد على المستوى العالمي.
مناطق للجميع على السواء
عانت مستوطنات الصفيح من غياب الصرف الصحي، ونقص حاد في المياه النظيفة، فانتشرت الأمراض بين الناس، ووجدوا أنفسهم تحت رحمة الأمطار والقيظ. تكونت المستوطنات من الأسر المهجرة، ومن النازحين من الأرياف، الذين وصلت إليهم الأزمة، ناهيك عن الأقليات المهمشة تاريخيا، كالمهاجرين والأقليات العرقية. وقد تسببت الأزمة بعدم إعادة انتخاب "هوفر" مرة أخرى، وأضحى أحد أسوأ رؤساء أمريكا في القرن العشرين.
روزفلت المنقذ
في عام ١٩٣٣، تولى "فرانكلين روزفلت" الرئاسة، فأطلق برنامجاً اجتماعياً واسعاً للإنقاذ، سمي "الصفقة الجديدة"، وقد ارتكز على ٣ محاور رئيسية: الإغاثة، والانتعاش، والإصلاح. تضمن البرنامج إطلاق مشاريع عامة كبرى، وتأسيس مؤسسات حكومية، لتوفير فرص عمل للعاطلين، وتقديم مساعدات اجتماعية، ودعم القطاع المصرفي. بدأت الأزمة الاجتماعية تنفرج تدريجياً، وتفككت مدن الصفيح شيئاً فشيئاً، وواصل الاقتصاد مسار التعافي حتى أواخر الثلاثينيات.