طائفة الصابئــة المندائيــة

نشأت ديانة "الصابئة" أو "المندائية" في بلاد الرافدين، وتحديدا في جنوب العراق، ويعتبرها أتباعها واحدة من أقدم الديانات التوحيدية التي تمتد جذورها لآلاف السنين. يعد الصيام جزءا من طقوسهم التعبدية، لكن مفهومه وممارساته يختلفان عن باقي الديانات. يعد الماء جوهرا أساسيا في الديانة المندائية، حيث يستخدم في طقوس التعميد التي تمارس بانتظام. كما يرتدي الصابئة المندائيون الملابس البيضاء أثناء المراسم الدينية، ويتميزون بإطلاق اللحى كجزء من تقاليدهم.

عيد الخليقة
في منتصف مارس من كل عام، تحتفل طائفة الصابئة المندائية بما يسمونه "عيد الخليقة"، ويسمى كذلك "البرونايا" أو "عيد البنجة"، ويمتد خمسة أيام، وهو يتزامن هذا العام مع الفترة ما بين ١٧-٢١ مارس. هذه الأيام - عند الصابئة - هي يوم واحد متصل لا ليل فيه، وهم يعتقدون أن هذه المدة شهدت خلق الحياة على الأرض، أي خلق النبي آدم أبي البشر، والشروع في جريان الأنهار، ويُعد العيد أهم مناسبة دينية لديهم. فمن تكون هذه الطائفة ؟ وما قصتها مع الماء؟

الماء.. جوهر الديانة
يُعد الماء الجوهر الأساسي لهذا المعتقد، فمن أهم الاحتفالات بـ "عيد الخليقة" إحياء مراسيم التعميد على ضفاف الأنهار، أو ما يسمى عندهم بطقوس "المصبتا". إذ تحل مجموعات من الصابئة إلى مكان للتعميد تختاره رئاسة الطائفة، ويرتدون الزي الصابئي التقليدي، ومن ذلك الثياب البيض والعمائم، ثم ينغمسون بأجسادهم في الماء، ويقرؤون أجزاء من كتابهم المقدس "كنزا ربا".

الحاجة إلى "التطهير"
ليس الارتباط بالأنهار لدى هذه الطائفة مرتبطا بمركزية الماء في معتقدهم فحسب، بل لحاجتهم كذلك إلى "التطهير"، فهم يعتقدون أنهم لم يساهموا مبكرا في تعميم ترجمات لكتابهم المقدس المكتوب بالآرامية، مما أدى إلى انتشار تصورات فاسدة حولهم، وجعلهم يتمركزون قرب الأنهار. اسم الصابئة مشتق من "صبا"، أي الانغماس في الماء، ولديهم أعياد رئيسية أخرى هي "الدهفة ديمانة" (يوم التعميد الذهبي) و"الدهفة ربه" (العيد الكبير) و"الدهفة حنينا" (عيد الازدهار)".

ديانة يلفها الغموض
توصف الصابئة بأنها أقدم ديانة توحيدية في العالم، ويؤمن أتباعها بوجود عالمين، بين النور والظلام. يقولون إن آدم هو نبيهم الأول، والثاني ابنه النبي شيت، ثم النبي سام، وآخر أنبيائهم هو يحيى بن زكرياء. يصومون ٣٦ يوما متفرقة في السنة، والوضوء مركزي في الديانة، كما يصلون ثلاث مرات في اليوم، ولديهم صلاة جماعية يوم الأحد، كما تعدّ الزكاة مركزية للغاية في ديانتهم، لكنهم يرفضون الإعلان عنها ويركزون على سريتها. لا يحب الصابئون كشف كل أسرار ديانتهم، لكنهم يؤكدون اختلافهم عن المسيحية واليهودية والإسلام.

عانوا من الاضطهاد عبر تاريخهم
هناك من يقول إن أتباع الصائبة نزحوا من فلسطين نحو أقصى جنوب العراق، ولا سيما محافظة ميسان، وهناك من يقول يقول إنهم ظهروا أول مرة في هذه المنطقة قبل أكثر من ألفي سنة. ويسمون كذلك المندائيين، وتعني "المعرفة" في لغتهم. عانى الصابئة خلال فترات كبيرة من تاريخهم من محن كبيرة، إذ تنقل روايات أنهم تعرضوا لمذابح في القدس خلال الحكم الروماني، كما تعرضوا لتقتيل كبير في عهد الدولة المشعشعية التي تأسست عام ١٤٣٦م، وبقوا فترات طويلة مهمشين في العراق.

الالتزام الصارم بالعبادة
يتحدث الصابئة لغة مشتقة من الآرامية القديمة، ولا يوجد إحصاء لعددهم، لكن يرجح أن أعدادهم لا تزيد عن مئة ألف عبر العالم، وقد تراجع عددهم بشكل كبير في العراق، حيث كانوا يتركزون طوال القرون الماضية، ولم يعد يتجاوز ٧ آلاف، حسب تقارير محلية. فضل كثير من أبناء الطائفة مغادرة العراق، وهناك منهم من ابتعد كثيرا عن الطائفة، بحكم ما تتطلبه من التزام صارم، كما أن طبيعة الديانة غير التبشيرية، وعدم إمكانية اعتناق شخص من خارج الطائفة لها، ساهما في تراجعها.

ينبذون العنف الذي يهدد وجودهم
شكلت الحروب في العراق تهديدا لوجود الصابئة، ومنها الحرب الإيرانية - العراقية، ثم تردي الوضع الأمني بعد غزو أمريكا للعراق، كما عانوا من هجمات من التنظيمات المتشددة، وفي ٨ مارس / آذار ٢٠٢٤، هوجم معبدهم في محافظة ميسان العراقية، فأسفر ذلك عن إصابة حراس. وهم ينبذون العنف ويحرمونه حتى لو كان دفاعا عن النفس، ويوجد أكبر تجمع لهم حاليا في إيران، حيث يقدر عددهم بحوالي ٤٠ ألفا، ويترأس الطائفة حول العالم الشيخ العراقي ستار جبار الحلو.

ذكرهم القرآن الكريم
ورد ذكر الصابئة في القرآن الكريم ٣ مرات، منها الآية ٦٢ من سورة البقرة. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). يتحدث جل علماء الإسلام عن خصوصية هذه الطائفة وقدمها، لكن لم يستطيعوا سبر أغوارها بحكم تعقيد مذهبهم، ومع ذلك فهناك شبه إجماع على أنهم - أو الأقدمون منهم على الأقل - طائفة موحدة، كما لم تبد منها طوال تاريخها مواقف تحارب المسلمين، بل هي باحثة عن العيش بسلام، واحترام خصوصيتها.

معلمة maalama.com
تم النشر في يناير ٢٠٢٦
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة