لا يغير التابوت من حقيقة الموت شيئاً، إلا في غانا، فالموت هنا يصبح احتفالاً كبيراً، فيشيع الفقيد في تابوت منحوت نحتاً مميزاً على شكل سيارة مثلاً، أو طائرة، أو سمكة، أو حيوان، أو حتى علبة مسحوق. إليكم قصة التوابيت الغريبة لدى شعب "الجا" الذي يسكن في مناطق ساحلية قريبة من العاصمة الغانية أكرا.
من كراسي التتويج إلى نعوش الموتى
خلافا لعدد من التقاليد المنتشرة عبر العالم، فهذا التقليد جديد، يعود إلى منتصف القرن العشرين. ومع ذلك فإن جذوره قديمة، تعود إلى "كراسي التتويج" التي كان يجلس عليها زعماء القبائل في المهرجانات فتحملهم الحشود. لكن كيف انتقلت الفكرة من تقاليد احتفالية إلى نعوش العامة الناس؟
الصدفة التي صنعت التقليد
كان وراء هذا التقليد شاب يدعى "سيت كاني كوي"، نحت محفة (هودج) على شكل ثمرة كاكاو لأحد الاحتفالات، لكن الزعيم توفي قبل المهرجان، فتقرر اتخاذ المحفة تابوتاً وتشييعه بها. انتشرت الفكرة في القرية، فلما توفيت جدة النجار صنع لها تابوتاً على شكل طائرة، ليحقق لها رمزياً حلمها بركوب الطائرة المرة الأولى والأخيرة. بدأت الطلبات تنهال على "كاني كوي"، لصناعة توابيت تحقق أحلام الناس في نعشهم الأخير، ثم شارك نجارون آخرون في ذلك.
فلسفة الموت وعالم الأجداد
مع أن هذا التقليد صدفة، فإن سبباً دينياً أدى إلى انتشاره، وهو أنهم لا يرون الموت نهاية، بل انتقالاً إلى عالم الأجداد، وعيشاً فيه بنفس الطريقة، مع استثناء أن لهم قوة خارقة تؤثر على حياة أقربائهم الأحياء. لذلك فإن للدفن اللائق مكانة مهمة لدى شعب "الجا"، فهم يهتمون بالنعش معتقدين أنه يمثل جسراً بين العالم الحقيقي وعالم الأجداد. ومع أن هذه القبائل مسيحية غالباً، ويعارض رجال دينها هذا التقليد لأنه وثني، فقد توصلوا إلى توفيق بين الدين وهذا التقليد الذي أضحى شائعاً.
دلالات الأشكال والطبقية الاجتماعية
ليس اختيار أشكال التوابيت اعتباطاً، ولا مجرد تحقيق الأحلام المتوفى. فلا يمكن مثلا الدفن في تابوت أسد إلا لعلية القوم، وكذلك النسر الذي يُحجز لشخصيات مرموقة، كما أن بعض العائلات الملكية تحتفظ لنفسها بنعش الديك. من أغرب أنواع هذه التوابيت تابوت على شكل فلفل أحمر حار، يرمز إلى أن الفقيد كان حاد الطباع دائم الغضب. ومنهم من اختار الدفن في تابوت هاتف نقال، حتى يظهر أنه كان إنساناً عصرياً.
خرجت هذه التوابيت إلى العلن في معارض شهيرة، أقامها فنيون في الخارج، وأضحت جزءاً من المعروض الدائم في متاحف كبرى، منها متحف الفن الحديث في نيويورك.