الدفن السمـــاوي في التـــبت

في الإسلام والأديان الإبراهيمية يدفن الموتى، وفي شرائع أخرى يحرقون كما هو الحال في الديانة الهندوسية، وقد أصبح أمرا اقتصاديا لا دينيا في دول الغرب. لكن هل تخيلت تقديم جثة إنسان إلى النسور لنهشها وافتراسها ؟ هذا ما تفعله قبائل في هضبة التبت، وهو طقس معروف يسمى "الدفن السماوي"، فما قصته؟

الموت ليس نهاية
لنفهم هذا الطقس، علينا أولاً أن نعلم أن البوذية التبتية تختلف كثيراُ عن المدارس البوذية الأخرى، كمدارس "الماهايانا" في الصين واليابان. فهي تعتمد أساليب طقسية وتأملية تهدف لبلوغ "الاستنارة" سريعاً، وتنفرد بنظام المعلمين الكبار (اللامات)، وآخرهم "الدالاي لاما". ما يهمنا في هذه الاختلافات هو مفهوم "الباردو"، أي الحالة البرزخية بين الموت وإعادة الميلاد، وهي ٤٩ يوما، وعلى أساسها يقوم طقس الدفن السماوي.

آخر عمل صالح
يؤمن البوذيون التبتيون أنه بمجرد رحيل الروح، يفقد الجسد المادي قيمته الجوهرية، ويصبح وعاء فارغاً. لذا، فإن العمل الصالح الأخير هو تقديم هذا الجسد طعاماً للنسور. يسمى ذلك "الصدقة العظمى"، أو "دانا" باللغة المحلية، فهم لا يتصدقون على النسور فقط، بل على الكائنات الأخرى التي تركها النسر بعد اكتشافه للجثة البشرية. بمعنى أن الدفن السماوي يمنح فرصة لكائنات أخرى، لتبقى حية.

قدسية النسور
لنسور الهيمالايا مكانة مهمة لدى البوذيين التبتيين فهي مقدسة في ثقافتهم، بل يرونها وسيطاً روحياً، يساعد في تحرير الروح من العالم المادي. لذا فإن افتراس النسور للجسد علامة على انتقال الروح نحو "إعادة الميلاد". كما يعتقد محلياً أن هذه النسور تأخذ معها "الكارما"، أو ذنوب المتوفى الباقية، واختفاء الجسد تماماً يعني رحلة نقية نحو الحياة القادمة.

تهيئة الجثة للافتراس
قبل الافتراس، يأتي رجل يسمى قاطع الجثث "الروجيابا"، فيمارس طقساً غريباً، ألا وهو تقطيع الجثة وسحق العظام، وخلطها بدقيق الشعير، لضمان أن تأكل النسور كل شيء، حتى العظام، كي لا يبقى من الجثة شيء. يمنع السياح من مشاهدة الدفن السماوي وتصويره، فهو طقس ديني خاص جداً، وليس عرضاً سياحياً، لذلك فالصور التي توثقه نادرة، بل إن الاقتراب من أماكن الدفن محظور على الغرباء.

عوامل طبيعية
ساهمت قسوة الطبيعة في هذه الطقوس، فهضبة التبت على ارتفاع ٤ آلاف متر، وتربتها صخرية صلبة جداً، وغالباً ما تكون متجمدة أكثر أيام السنة، مما يمنع حفر القبور، ويوفر الأراضي، وهو سلوك تفضله السلطات. كما أن اللجوء إلى الحرق صعب جداً، بسبب ندرة الخشب، والوقود نادر في المنطقة، لذلك فهم لا يرون "الدفن السماوي" طقساً دينياً فقط، بل بيئياً كذلك.

أنواع أخرى من الدفن
مع أن هذا النوع من الدفن هو المنتشر في المنطقة، فإن له بدائل في حالة الضرورة، منها "الدفن المائي"، الذي يستخدمه جيران الأنهار الكبيرة، فيُلف الجسد في قماش، ويرمى لتفترسه الأسماك. كما يلجأ بوذيو التبت أحياناً إلى "الدفن الأرضي"، إذا كان المتوفى مصابا بأمراض معدية، وذلك لحماية النسور، وضمان عدم انتقال العدوى. أما كبار اللامات، فيُدفنون "دفن الإستوبا"، وهو الشكل الأكثر فخامة، فيحنط الجسد، ويحفظ في مكان مقدس للتبرك به.

معلمة maalama.com
تم النشر في فبراير ٢٠٢٦
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة