من هو جيفري إبستين؟

حفلات جنسية تُستغل فيها القاصرات ووقائع اغتصاب موثقة. هذا ما كشفته وثائق وتحقيقات قضائية، أظهرت انخراط شخصيات نافذة ومرموقة في جزيرة إبستين، ضمن واحدة من أكبر الفضائح الأخلاقية، التي هزت الولايات المتحدة في القرن الـ٢١. فمن هو "جيفري إبستين"؟ وكيف شق طريقه من الهامش إلى قمة النفوذ، قبل أن يسقط سقوطا مدويا؟

من يكون؟
ولد "جيفري إدوارد إبستين" في ٢٠ يناير ١٩٥٣، في أسرة يهودية بسيطة. ظهر نبوغه منذ صغره، لكنه لم ينل أي درجة جامعية، ومع ذلك أخفى الأمر وعمل مدرسا للفيزياء والرياضيات بمدرسة دالتون المرموقة في مانهاتن، وعمره ٢١ عاما. كانت المدرسة تدرس أبناء النخبة، ففهم عقلية الأثرياء عن قرب، لكن افتقاره لمنهجية التدريس وسلوكه "غير المهني" عجلا برحيله عن المدرسة عام ١٩٧٦، فمن ذلك أنه كان يأتي بملابس لا تناسب المهنة.

من المدرسة إلى وول ستريت
لم يخرج "إبستين" بخفي حنين من المدرسة، بل استغل علاقاته مع أولياء أمور التلاميذ، ولا سيما "آلان غرينبيرغ"، الرئيس التنفيذي لشركة "بير ستيرنز"، لدخول عالم المال في وول ستريت. وفي أقل من ٤ سنوات، أثرى ثراء كبيرا، فترقى في الشركة من مساعد مبتدئ في تداول البورصة، إلى شريك في الأسهم.

احتيال بـ "مخطط بونزي"
انضم إبستين إلى "ستيفن هوفنبرغ" في شركة "تورز فاينانشال" بداية الثمانينيات، فنال راتباً شهرياً خيالياً حينها، قدر بـ ٢٥ ألف دولار. لكن الشركة اهتزت هزة كبيرة، حين تبين أنها كانت تدير واحدة من أكبر عمليات الاحتيال في تاريخ الولايات المتحدة، بطريقة مخطط بونزي"، فقد استولت على ملايين من آلاف المستثمرين، مقابل بيع سندات وهمية. ادعى "هوفنبرغ" أن "إبستين" كان المخطط الرئيسي والفني للاحتيال، لكنه نجا من الاعتقال، وسجن " هوفنبرغ" ١٨ عاما.

مدير ثروة المليارديرات
فجأة أصبح "إبستين" مدير ثروة الملياردير "ليزلي ويكسنر"، صاحب إمبراطورية "فيكتوريا سيكريت"، إحدى أكبر شركات بيع الملابس الداخلية. بهذه العلاقة، نال "إبستين" قصر مانهاتن الأسطوري، وطائرة خاصة، وجزيرة ليتل سانت جيمس ضمن الجزر العذراء، وهي جزيرة حفلات النخاسة التي ستنفجر فضيحتها لاحقاً، وأضحى يروج لنفسه مديراً لثروات علية القوم.

بعد كسبه الغنى الفاحش، اتجه "إبستين" لبناء شبكة علاقات فيها رؤساء دول وأمراء، وعلماء فائزون بجوائز نوبل. كما أنفق ملايين الدولارات لدعم مؤسسات علمية، منها هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتقنية. وكان يستضيف حفلات عشاء فيها عمالقة التقنية، لا سيما الإنترنت التي انبثقت بداية التسعينيات، مثل "جيف بيزوس" (أمازون)، و"إيلون ماسك" (تسلا)، و"إريك شميت" (غوغل)، و"بيل غيتس" (مايكروسوفت).

هل كان نازياً ؟
أظهر تحقيق معمق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" حول قناعاته العلمية، أنه كان مولعاً بما يسمى "ما بعد الإنسانية"، أي تصور أن الجنس البشري يمكن تطويره بطفرات تقنية كالهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي. لكن نظرية "ما بعد الإنسانية"، وإن كان لها جانب حسن في تحسين حياة البشر، فإنها تتقاطع مع "علم تحسين النسل"، أي أن البشرية يمكن تحسينها بالتكاثر المنظم، واختيار السمات المرغوبة، وتقليل السمات الأقل رغبة. وقد ذكر محاميه "ألان ديرشويتز"، أنه كان يوجه المحادثات أحياناً نحو كيفية تحسين الجنس البشري وراثياً، مما يتقاطع مع النظريات النازية حول تحسين النسل.

بداية النهاية
بدأت متاعب "إبستين" عام ٢٠٠٥، حين أبلغ أهل مراهقة (١٤ عاماً) عن الاعتداء على شرفها في منزله، مما كشف عن شبكة استغلال واسعة، فيها عشرات القاصرات. نجا إبستين من سنوات من السجن بإبرام "اتفاق عدم ملاحقة قضائية"، سمح له بالإقرار بالذنب في تهم خفيفة تتعلق بالدعارة، مقابل قضاء ١٣ شهراً فقط في السجن، مع إمكانية الخروج يومياً للعمل من مكتبه. وبعد السجن، عاد إلى الدوائر الاجتماعية الراقية مستفيداً من صمت الضحايا، الذي فرضه عليهن الاتفاق القانوني.

صحفية تغير كل شيء عام ٢٠١٧
بدأت الصحفية "جولي براون" تحقيقاً معمقاً، وعادت إلى الضحايا المنسيات، وأفرزت آلاف الوثائق القضائية المضللة، وأقنعت أكثر من ٦٠ امرأة بالحديث عن تجاربهن أول مرة. نشرت براون سلسلة تقاريرها "انحراف العدالة" في نوفمبر ٢٠١٨ على صحيفة "ميامي هيرالد". أدى الغضب العام الناتج عن هذه التقارير، بالتزامن مع زخم حركة "أنا أيضا" إلى إعادة فتح القضية في نيويورك، واستقالة "ألكسندر أكوستا" من منصبه وزيراً للعمل في إدارة "ترامب"، وكان قد أجرى اتفاقاً مع "إبستين" بالسجن المخفف.

الانتحار الغامض
في يوليو ٢٠١٩، قُبض على "إبستين" عائداً من فرنسا، ووجهت إليه اتهامات فيدرالية جديدة بالاتجار بالقاصرين جنسياً، وصودرت من منزله مئات الصور والوثائق التي تدينه. بعد نحو شهر، وجد ميتاً في زنزانته، وخلصت التقارير الطبية إلى انتحاره شنقاً، لكن الخلاصة لم تقنع الجميع، لا سيما وقد كانت كاميرات المراقبة معطلة في تلك الليلة. هل قتل "إبستين" حتى لا يكشف عن مجرمين آخرين، لا سيما أن محاميه كشف عن مفاوضات مع الادعاء العام، لتعاونه مع القضاء؟.

معلمة maalama.com
تم النشر في يناير ٢٠٢٦
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة