الحصان العربي لا ينسى وجه صاحبه

الخيل تعرف صاحبها
الخيل تحفظ رائحة صاحبها، وتبني في دماغها صورة ذهنية عن وجهه، وليست ترى الأنف وحده أو العيون وحدها، بل تحفظ الوجه كاملاً، لذلك تعرفه حتى لو غير مظهره، أو رأته من جنبه. كما أنها تلتقط المزاج أيضاً، فإذا رأت صورته وهو غاضب، فسوف تعامله بحذر عند اللقاء الحقيقي بعد ساعات حتى لو كان مبتسماً. والخيل العربية من أبرز السلالات التي عرف عنها تذكر وجوه أصحابها وفهم تعابيرها، ولا يقتصر السر على عقولها فقط، بل يعززه وتد الخيمة.. تابع لتعرف كيف ذلك.

نشأة في الخيمة لا الإسطبل
حين يولد مهر عند العرب، لا يرمى في الإسطبل، بل يفتح عينيه فيجد نفسه في مجلس العائلة. وثقت الرحالة البريطانية "آن بلنت" في مذكراتها مشهدا رأته بأم عينها في القرن ١٩، إذ يُربط المهر بحبل إلى وتد الخيمة طوال النهار، لا ليعاقب بل ليعيش تفاصيل اليوم مع أصحابه. فيكبر وهو يسمع ثرثرة الأطفال، ويشم رائحة القهوة، ويشرب لبن الإبل، وهذا ليس ترويضاً بل دمجاً اجتماعياً ذكياً، يجعله أليفا يلعب مع الأطفال ولا يخافهم.

قبل التربية.. هندسة تكاثر مدروسة
لا ترث الخيل التربية ولا الذكريات، لكنها ترث الاستعداد والمزاج العصبي، وفي سياق التربية البدوية كانت العرب تبيع الخيل التي لها سلوك عدواني، أو جموح غير قابل للسيطرة، أو لا تميز بين العدو والصديق، وذلك لكي لا تتكاثر. أما الخيول التي كانت هادئة ولديها قابلية للألفة، فكانوا يزاوجونها للتكاثر، وكانوا صارمين جدا في منع اختلاط خيولهم الأصيلة بالسلالات الأخرى.

لديها أذنين مؤللة .. رادارات لا تفوت همسة
لم يترك الأصمعي شيخ الرواة تفصيلة في أجساد الخيل إلا رصدها، ويقول إن الإنسان العربي كان يحب الأذن المؤللة، أي المحددة المنتصبة كرأس الحربة، فهاتان الأذنين جهاز استشعار دقيق، تلتقطان صوت الفارس وسط ضجيج المعركة وسكون الصحراء. تثبت الدراسات العلمية أن الحصان عندما يسمع صوت صاحبه وهو لا يراه، فإن دماغه يستدعي تلقائيا صورة وجهه، وإذا سمع الصوت ثم ظهر إنسان آخر، فإنه يصدم ويبقى يحدق فيه.

هرمون الأوكسيتوسين.. ميثاق الوفاء
لم يكن البدو مجرد مربين، بل كانوا مهندسي كيمياء الخيل العصبية، فطريقة تربيتهم التي فرضت تلامساً جسدياً دائماً فعلت هرمون "الأوكسيتوسين" بفعالية قصوى، وهو الذي يزيد الترابط بين الخيل وصاحبه، ويجعله يتوتر عند غيابه.

وفاء في الصحراء
الوفاء في الصحراء مسألة حياة أو موت، والخيل العربية ذات شجاعة هادئة، فهي لا تجفل من الأصوات المفاجئة، ولا تهرب وتترك صاحبها. الذاكرة هنا وظيفتها الحماية، لأن الخيل حفظت أصحابها على أنهم أفراد من العائلة، لذا فإن غريزة القطيع تدفعها لحمايتهم كما تحمي وليدها، ولا ترى صاحبها مجرد فارس بل أمانة لديها.

معلمة maalama.com
تم النشر في فبراير ٢٠٢٦
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة