هل تخلى العثمانيون عن ليبيا لإيطاليا؟
يثار هذا السؤال كثيراً عند تناول بدايات الاحتلال الإيطالي لليبيا، خاصة أن البلاد دخلت لاحقاً مرحلة استعمار استمرت نحو ثلاثين عاماً، شهدت مذابح ومجاعات وعمليات تهجير واسعة أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا قُدرت بمئات الآلاف، إذ بدأت القصة مع دخول إيطاليا المتأخر إلى السباق الاستعماري مقارنة بجيرانها الأوروبيين، فسعت منذ مؤتمر برلين عام ١٨٧٨ للحصول على ليبيا التي كانت آنذاك تحت الحكم العثماني، وعلى الصعيد الدولي لم تتردد في التحرك لضمان تحقيق أهدافها، فاعترفت بالهيمنة الفرنسية على المغرب، وقدمت وعوداً بتأييد الطموحات الروسية في البوسفور، كما توصلت إلى تفاهم مع بريطانيا يقضي باعترافها بدورها في مصر مقابل دعم الأخيرة للمطامع الإيطالية في ليبيا، ومع تصاعد هذه التحركات وازدياد الضغط، أرسلت إيطاليا إنذاراً إلى الدولة العثمانية ما بين ٢٦ و٢٧ سبتمبر ١٩١١ طالبت فيه بانسحاب القوات العثمانية وتسليم الإدارة، وإلا مواجهة الحرب، وأمام هذا الوضع حاول العثمانيون تفادي الصدام عبر اللجوء إلى وساطة نمساوية واقتراح تسوية تقضي بنقل السيادة إلى إيطاليا دون حرب مع الإبقاء على وجود رمزي للسلطان، إلا أن رئيس الوزراء الإيطالي جيوفاني جوليتي رفض هذا المقترح وأعلن الحرب، فبدأت العمليات بقصف البحرية الإيطالية لطرابلس وإنزال نحو ١٥٠٠ جندي والسيطرة عليها، ثم التوسع إلى درنة والخمس وطبرق، في حين واجه الإيطاليون مقاومة شرسة في مناطق أخرى مثل بنغازي بدعم من الليبيين والقوات العثمانية، وقد شهدت هذه الحرب استخداماً للتقنيات الحديثة، حيث استُخدمت الطائرات في مهام استطلاعية، ونُفذ أول قصف جوي بالطائرات على مواقع العثمانيين، ومع استمرار النزاع تدخلت بعض القوى الدولية لمحاولة إنهائه دون نجاح، وفي يوليو ١٩١٢ جلس الطرفان إلى طاولة المفاوضات، ومع تصاعد التهديدات في البلقان وخشية الدولة العثمانية من اندلاع حرب أوسع بمشاركة دول مثل صربيا واليونان وبلغاريا، صدرت أوامر للمفاوضين بقبول إنهاء الحرب، ما أدى عملياً إلى التخلي عن ليبيا لصالح إيطاليا ودخولها مرحلة الاستعمار.
معلمة maalama.com