تجربة جوجو الفلسفية ومسؤولية الإنسان عن أفعاله
تطرح تجربة جوجو واحدة من أكثر الأسئلة الفلسفية إثارة في موضوع المسؤولية الأخلاقية، فهي تتخيل شاباً نشأ في قصر حاكم مستبد وقاسٍ يرى الناس من حوله يطيعون أباه خوفاً ويمجدون قراراته لأن الاعتراض يعني النفي أو العقاب، ومنذ طفولته لم يعرف جوجو إلا هذا العالم، فلم يشهد مقاومة ولا تعلّم أن الظلم ظلم، بل رأى القوة والقسوة وكأنهما أمران طبيعيان ومشروعان، ثم كبر وورث الحكم وأصبح نسخة من أبيه، وهنا يظهر السؤال: هل يعد مسؤولاً أخلاقياً بالكامل عن أفعاله ما دام يتصرف وفق القيم التي يؤمن بها فعلاً، أم أن تنشئته الفاسدة تخفف من مسؤوليته لأنه لم تتح له فرصة حقيقية لتمييز الخير من الشر؟ بعض الفلاسفة يرون أن الإنسان يكون مسؤولاً إذا كانت أفعاله نابعة من ذاته العميقة وقيمه الحقيقية، وبالتالي فإن جوجو مسؤول لأنه يفعل ما ينسجم مع شخصيته، بينما ترى وجهة نظر أخرى أن الحكم الأخلاقي لا يكتمل من دون النظر إلى كيفية تشكل هذه الذات أصلاً، فإذا كانت القيم نفسها قد صنعت في بيئة منحرفة حجبت عنه إمكان التعلم الأخلاقي والتصحيح، فإن مسؤوليته تصبح أقل من مسؤولية شخص اختار الظلم رغم توفر الفرصة أمامه لفهم الصواب، وتفتح هذه التجربة الباب أمام أسئلة أوسع عن أثر التربية والبيئة والقدرة على المراجعة الذاتية، وهل يكفي أن يكون الفعل نابعاً من الداخل حتى نحاسب عليه بالكامل، أم لا بد أيضاً من وجود كفاءة أخلاقية تسمح لصاحبه بفهم ما يفعل ولماذا هو خطأ.
معلمة maalama.com