كيف أنقذت اليابان مدينة إيدو من الانهيار البيئي؟
قبل نحو أربعمئة عام كانت إيدو، التي تعرف اليوم بطوكيو، من أكبر مدن العالم، لكنها كانت تقترب من انهيار بيئي خطير بسبب قطع الأشجار بشكل مكثف، وما نتج عن ذلك من إزالة واسعة للغابات ونقص في الأخشاب وتعرية للتربة وفيضانات متكررة هددت الإمدادات الغذائية، غير أن اليابان في عهد الشوغونية التوكوغاوية اتجهت إلى إصلاحات واسعة غيرت شكل الاقتصاد والمجتمع وطريقة استخدام الموارد، فمع الحد من العلاقات الخارجية والسعي إلى الاعتماد على الإنتاج الداخلي، جرى التركيز على تقليل الاستهلاك والهدر والاستفادة القصوى من الموارد المتاحة، مستلهمين مفهوماً ثقافياً يقوم على عدم التبذير والاكتفاء بما يكفي، وقد فرضت السلطات قيوداً على قطع الأشجار، وأطلقت برامج ضخمة لإعادة التشجير، وجرى تشجيع بناء البيوت من أجزاء خشبية معيارية يمكن تفكيكها وإعادة استخدامها، كما نشأت صناعات كاملة قائمة على إصلاح الأشياء بدل التخلص منها، فكانت المظلات والصنادل والأقمشة والشموع والمواد المنزلية تصلح وتستعمل مرات عديدة، وحتى الفضلات البشرية كانت تجمع وتستخدم سماداً زراعياً، كما تطورت داخل البيوت عادات دقيقة لإعادة توظيف كل شيء تقريباً، من الكيمونو الذي ينتقل من ثوب إلى غطاء ثم إلى قطع تنظيف ثم إلى وقود، إلى الخزف الذي كان يصلح بفن يبرز الكسور بدلاً من إخفائها، وقد جعلت هذه الممارسات من إيدو مثالاً مبكراً على الاقتصاد الدائري والاستدامة، رغم أن تلك المرحلة لم تكن مثالية، إذ رافقها حكم صارم وتفاوت اجتماعي كبير، لكنها مع ذلك تقدم درساً واضحاً في أن المدن القريبة من الانهيار يمكن أن تستعيد توازنها إذا أعادت تنظيم علاقتها بالموارد والهدر.
معلمة maalama.com
X    facebook    whatsapp

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة