برمودا
برمودا أقدم ما نال الحكم الذاتي من المستعمرات في الممتلكات البريطانية الحرة (الكومنولث)، لا تقع في البحر الكاريبي، وليست جزءاً من جزر الهند الغربية، كما يخال العديد من الناس. لكنها تقع على بعد يربو على ١٦٠٠ كيلومتر شمالي تلك البقعة في غرب المحيط الأطلسي، الواقعة على بعد ٥٧٠ ميلاً بحرياً من رأس هاتيراس في كارولينا الشمالية (إحدى ولايات أمريكا) وهي أقرب بقاع اليابسة لبرمودا. وجزر برمودا، والتي تدعى أيضاً جزر سومرز، أرخبيل يحتوي على ما يقرب من ٣٥٠ جزيرة تمتد على شكل شعر صيد السمك. تتكون أرضها الأساسية من سبع جزر كبرى، ولا يزيد عرض هذه الأرض في أية بقعة من بقاعها عن ٣.٥ كيلومتر ترتبط فيما بينها بوساطة الجسور والطرق المرتفعة. هذه الأرض الأساسية مقسمة إلى تسع أبرشيات أسماؤها منسوبة إلى نبلاء بريطانيين ربطتهم بالجزر علائق - سان جورج، وهاملتون، وسميث، وديفونشاير، وبمبروك، وباجيت، ووورويك، وساوثهامبتون، وسانديس. أما مدينة هاملتون فعاصمة برمودا.

جزر برمودا تكوين من الحجر الجيري والمرجان، تراكم عبر الأزمان فوق قمة جبل واقعة تحت سطح المحيط، من أصل بركاني. مناخ برمودا مداري متوسط درجة حرارته ٧٠ ف أو ٢٠ م ونسبة الرطوبة فيه مرتفعة، غير أن الرياح الجنوبية الغربية السائدة تتغلب عليها؛ أما منسوب الأمطار فيبلغ ١٥٠ سم في المتوسط، وتهطل الأمطار في دفعات قصيرة شديدة. ليس في برمودا أنهار أو ينابيع طبيعية، لذا كانت هذه الأمطار قيمة نفيسة، لأنها تزود الجزر بكل ما يمكن الحصول عليه من ماء. ويحبس البرموديون مياه الأمطار فوق أسطح دورهم التي تبنى شأنها شأن الدور نفسها من الأحجار الجيرية المرجانية المقتطعة محلياً في ألواح كبيرة سمكها حوالى ٢.٥ سم، مرصوصة في طبقات، أطرافها تركب بعضها ببعض فوق تركيبة خشبية سفلى؛ هذه الأسطح تعمل كأقماع تمر فيها الأمطار إلى خزانات تقع تحت المنازل. وتغسل الأسطح بالجير مرة في العام بقوة القانون، لضمان نقاء مياه الشرب التي تجمع بهذه الوسيلة.

ينسب اكتشاف برمودا إلى ملاح إسباني، هو برموديز الذي أبحر حول الجزر عام ١٥١٥، لكنه لم يتمكن من إرساء سفينته على اليابسة بسبب الرياح المضادة.

أبحر في عام ١٦٠٩ أسطول من تسع سفن حاملاً المستعمرين إلى فرجينيا، يقوده الأدميرال السير جورج سومرز، لكن عاصفة مروعة لاقته، وفي الثامن والعشرين من يوليو بعد ثلاثة أيام من الرعب إذا بسفينة قيادة السير جورج سومرز - واسمها مغامرة البحار - تصطدم بشعب وجنحت بين صخرتين في بقعة ما زال يطلق عليها اسم "مسطح قاع مغامرة البحار". وعثر الشاردون على الجزر "أمتع البلدان وأصحها" والتي لا مثيل لها في تلكما الميزتين بين ما شاهدوه من قبل أبداً. بعد تسعة شهور كانوا قد بنوا سفينتين من خشب الأرز المحلي، فأبحروا مرة أخرى قاصدين فرجينيا. وعاد السير جورج سومرز إلى برمودا ليشيد مستعمرة دائمة، لكن الجهد الذي بذله في رحلة العودة كان فوق طاقته، فقضى نحبه عام ١٦١٠ ودفن قلبه في "حدائق سومرز" بجزيرة سان جورج وعاد المستعمرون جميعاً إلى إنجلترا عدا ثلاثة حاملين معهم جثمان السير جورج. وغالباً فإن التقارير التي حملوها معهم عائدين، هي التي زودت شكسبير بجو ومادة مسرحيته "العاصفة".

أرسلت "الشركة الفرجينية" نجار السفن ريتشارد مور عام ١٦١٢ مع ٦٠ مستوطناً إلى برمودا، وأنشأت مجلس الحكومة في جزيرة سان جورج. وبعد مضي عام باعت الشركة الفرجينية حقوقها في برمودا إلى "شركة مدينة لندن" لتشجر وتزرع جزر سومرز. واجتمع المجلس النيابي البرمودي لأول مرة عام ١٦٢٠، فهو أقدم المجالس النيابية الديموقراطية بعد مجلس إنجلترا وأيرلندا. لكن الاستياء من الحكم التابع للشركة نما وتراكم على مر السنين. وكانت نتيجة الالتماس الذي قدمه سكان الجزيرة للملك إلغاء العقد المبرم مع الشركة. وفي عام ١٦٨٥ أعاد التاج تعيين آخر الحكام التابعين للشركة.

مع نشوب حرب الاستقلال الأمريكية، حُظر على برمودا التجارة مع المستعمرات "الخائنة"، وهكذا انقطع مصدر تزويدها الرئيسي بالغذاء. لكن تعاطفها مع المستعمرات ظل قائماً؛ لذا تآمرت برمودا سراً للاستيلاء على البارود الأسود من المخازن الملكية، وأرسلته على متن إحدى سفن صيد الحيتان، وإحدى الفرقاطات الأمريكية إلى بوسطن.

أدت الحرب الأهلية الأمريكية إلى حصار آخر، ونجحت برمودا كنقطة لقاء للقائمين على أمر الحصار. ومع نهاية الحرب كانت فترة ازدهار برمودا قد انقضت أيضاً. فبدأت تزرع البصل وتصدر كميات كبيرة منه إلى أمريكا. ولما كانت تكساس (ولاية أمريكية) بدأت تزرع البصل، فإنها قررت تعريفة جمركية على ذلك الوارد من برمودا حماية لمحصولها؛ إلا أن زوارق البصل ظلت تفد إلى برمودا طالبة إمداداً طازجاً من البصل، وقد بدأت فعلاً في العودة حاملة المزيد، ثم المزيد من الأمريكان، وهكذا بدأ ما يمكن أن يصبح أخيراً أكبر الصناعات في برمودا - نعني السياحة.

يزور اليوم برمودا حوالي ٢٠٠,٠٠٠ سائح كل عام، معظمهم من الولايات المتحدة وكندا، وهم يزودون خزانة الدولة في كل سنة بعدة ملايين من الدولارات، ويؤدي ذلك إلى ارتفاع مستوى المعيشة في الجزر، والبيض والملونون في ذلك سواء. ولا تعاني من أحياء قذرة مكتظة، أو بطالة، أو مستوطنين لا يدفعون ضريبة الدخل، كما أنه لم تفرض مكوس على الوفاة.

تغري برمودا السائحين أصلاً بمناخها الممتع، بل وقبل كل شيء جمال الجزر الذي لا مثيل له؛ فخطوط سواحلها تقطع استمرارها مئات الخلجان وبروزات الجبال. أما سطح الأرض فسلسلة متوالية من التلال الصغيرة والوديان بينها. ورمال الساحل ناعمة وردية. وتنمو في برمودا نباتات البحر المتوسط المزهرة، والتي تضم نبات البوجا نفيليا المتمدد والدفلى العطري المزهر؛ تلك النباتات تنمو برية فوق تربة الجزر في عربدة من الألوان.

وتنبثق من أرض برمودا الفنادق والنوادي الفاخرة. فهناك في الجزر سبع أراض ومضامير للجولف. وفندق "وسط المحيط" الشهير يحتل مكانته كواحد من أجمل ما في العالم من فنادق. وتقدم برمودا تسهيلات رائعة لرياضة المراكب الشراعية، وصيد السمك، والسباحة، والغطس تحت الماء، والتنقيب عن حطام السفن.

وميناء برمودا الجوي يربط الجزيرة بنصف الكرة الغربي كله، يقع فوق جزء من قاعدة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي بناها الأمريكان. ولقد أجرت بريطانيا مطار كيندي لأمريكا عام ١٩٤٦ لمدة ٩٩ عاماً؛ فتدفقت من ذلك المنشأ في الجزيرة ملايين الدولارات على الاقتصاد البرمودي. لكن السيارات لم يسمح بدخولها الجزيرة إلا في الأعوام الأخيرة، وهناك من التنظيمات الصارمة ما يحكم استخدامها، وأحجامها، وسعة محركاتها. ولقد فرض حد أقصى للسرعة، خمسة وثلاثين كيلومتراً في الساعة، وخمسة وعشرين كيلومتراً في الساعة بالمناطق التي تنتشر بها المباني. ومحظور على الزوار جلب السيارات معهم إلى داخل البلاد، لكن سيارات الأجرة بالغة الصغر ذات الحواف العلوية متوفرة للتأجير.

ولا يفوتن الزائرين مشاهدة الحدائق النباتية الممتعة، أو أحواض عرض الأسماك الرائعة، والملحق بها حديقة حيوان، ومعرض يحتوي على قضبان من الذهب، وأسلحة نارية، وجواهر، من السفن الغارقة على الشعاب؛ ولا يفوتن الزائر أيضاً مشاهدة منار تل جيب، والذي يلقي بأشعته داخل البحر إلى مسافة ٦٥ كيلومتراً، والذي يحظى المرء منه على مشهد عظيم رائع للجزر. وعليه كذلك أن يشاهد المكتبة العامة في مدينة هاملتون، والتي كان مبناها ذات يوم دار و. ب. بيروت ناظر بريد برمودا.

أما صادرات برمودا الرئيسية فهي زهور الزنبق وبراعمه، والتي يرسل معظمها إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا كل عام. وثمة أيضاً بعض الصادرات من العقاقير وموادها. لكن أعظم مصادر دخل البلاد إلى حد بعيد هي السياحة.
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة