على ضفاف السند
تتركز أقدم الآثار التي نجدها في الهند للمجتمعات الزراعية في الضفة اليمنى لنهر السند وفي إقليم بلوخستان. ولما كان لدينا من الأدلة الثابتة على وجود علاقة مباشرة لهذه المجتمعات بحضارة السومريين القديمة وعلى وجه الخصوص عن طريق الحلي الحجرية واللآلئ المحفورة، فإن هناك ما يبعث على الاعتقاد بأن المهاجرين من بلاد ما بين النهرين قد لعبوا دوراً في تقدم المجتمعات الزراعية غير المتطورة في وادي السند. لقد ازدهرت أولى الحضارات الهندية في الفترة من سنة ٢٥٠٠ إلى سنة ١٥٠٠ ق.م. فقد اكتشف عالم الآثار الهندي بانرجي أطلالاً ضخمة ترجع إلى ذلك العصر، وهي أطلال موهينجودارو وهارابا؛ وتصميماتها التي وضعت على شكل رقعة الشطرنج هي أقدم مثل حضاري معروف.

وكانت واجهات المنازل تبنى في خطوط منتظمة بعناية، وكانت الشوارع الواسعة تخترق المدينة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، وكان اتساعها في بعض الأحيان يبلغ عشرة أمتار، وبذلك كان يمكن للعربات أن تواصل سيرها بسهولة في كلا الاتجاهين في نفس الوقت. وتدل القنوات الخاصة بتصريف المياه والآبار المعتنى بها والأجران ومخازن الحبوب والنظام الكامل للمقاييس والموازين، على أنه كان مجتمعاً مستقراً حسن التنظيم. غير أن البناء الأكثر روعة الذي أقيم في موهينجودارو هو بلا شك الحمام الكبير الذي يحيط به ما يشبه الشرفة الفسيحة وعدد من الحجرات الصغيرة التي تذكرنا بحجرات الملابس في الحمامات الحديثة. أما العمارات فكانت تبنى بالطوب الأحمر الذي يلتصق ببعضه بالطين المجفف، وإن كانت بدون نوافذ وبدون زخرفة. وكانت الأبواب ضيقة والأسقف مسطحة. وكان الاهتمام بالرفاهية واضحاً، فكانت المنازل تشمل الصالونات وحجرات النوم الفسيحة وحجرات الضيوف، وكانت بها مياه جارية وخزانات للمياه العذبة وحمامات وحدائق داخلية.

وكان سكان المدن يعيشون على المنتجات الزراعية التي تنتجها المناطق الريفية المجاورة، كما كانوا يعرفون الصناعات المختلفة مثل أشغال البرونز والخزف وصناعة القيشاني وصقل الأحجار الكريمة. أما الكتابة لم تفك رموزها حتى اليوم، فإنها وإن لم تكن قد تعدت مرحلة الرسوم، إلا أنه يمكن القول بأن سكان موهينجودارو وهارابا قد بلغوا مستوى تاريخياً.

وفي حوالي عام ١٥٠٠ تسلل الآريون، وهم قبائل من أصل هندي أوروبي، إلى شمال نهر السند. ويرجع أصلهم، مثلهم كمثل معظم شعوب أوروبا كالسلاف والجرمان والقوط الإيطاليون واليونان، إلى سهول روسيا الوسطى. وقد فرض الآريون على البلاد نظاماً اجتماعياً جامداً، وهو نظام الأجناس الذي ضمن لهم السيطرة. وتنسب إليهم "الريج فيدا" وهي عبارة عن مجموعة من ألف قطعة من الأناشيد والأشعار والدعوات والأغاني الحماسية يرجع تأليفها إلى حوالي عام ١٥٠٠ ق.م. هذا ومن أهم الديانات في العالم البراهمية والبوذية، وبوذا عاش في القرن السادس، وترجع كلتاهما إلى الآريين. ويرجع الفضل لغزو داريوس ٥١٦ وغزو الإسكندر الأكبر ٣٢٧ في إقامة أول تنظيم مركزي في الهند. وعند وفاة الإسكندر الأكبر قام السكان الوطنيون بإسناد الحكم إلى أسرة الموريين، وهي التي تحدد بداية تاريخ الهند الحديثة.
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة