فيردى.. والأوبرا الايطالية
ارتبط فن الأوبرا دائماً بإيطاليا، إذ يتقنه الإيطاليون إتقاناً عالياً. ورغم أن الأوبرا انتشرت حالياً في كل أنحاء العالم، فإن إيطاليا ما زالت بالتأكيد هي النبع الأول لهذا الفن، حيث بدأت فيه وتطورت. وقد دعت إلى ذلك أسباب مختلفة، لأن بعضاً من كبار مؤلفي الأوبرا إيطاليون، وعلى سبيل المثال لا الحصر: الموسيقار بوتشيني، مؤلف أوبرا "مدام بترفلاي"، وروسيني، مؤلف أوبرا "حلاق إشبيلية". وربما أشهرهم اسماً في عالم الأوبرا الإيطالية هو جوزيبي فيردي.

فأعماله تعزف سنوياً في أكبر دور الأوبرا العالمية، مثل دار أوبرا ميلانو المشهورة بـ"لا سكالا"، وأوبرا فيينا، وكوفنت جاردن في لندن، والمتروبوليتان في نيويورك، حيث يعدونه واحداً من أعظم مؤلفي هذا الفن. وعلى خلاف بعض الموسيقيين، فإن عظمته كانت أيضاً تتصل بحياته الشخصية كما هي متصلة بفنه المرموق. فقد نجح في كل منهما: غنى وشهرة، رغم أنه عانى من الفقر في بدء حياته.

كان جوزيبي فيردي، الذي ولد سنة ١٨١٣، ابناً لموظف بسيط يعمل في حانوت في قرية إيطالية صغيرة اسمها "رونكول". وكان أول لقاء لأذنه مع الموسيقى في كنيسة القرية، ولم يكن عمره يتعدى السابعة عندما التحق بفرقة منشديها، وأصبح واحداً من صبية الكورال وشماساً صغيراً. وهناك حكاية تروى عنه في تلك الفترة، إذ إنه هام بالموسيقى وأخذ يعزف سارحاً، حتى إن القس غضب لأن فيردي الصغير بدأ يهمل ما قد أسنده إليه، فما كان منه إلا أن ضربه كفاً شديداً، مما قذف به متدحرجاً على سلم الهيكل. ولكنهم سرعان ما اكتشفوا في الصبي موهبته الموسيقية، ومن هنا بدأ عازف الأرغن في إعطائه دروساً. وبعد سنوات قليلة مات العازف، فعين تلميذه فيردي، ولم يتعد عمره ١٢ سنة، مكانه.

وقد عاش فيردي لعدد من السنوات في فقر مدقع. وربما ظل طوال حياته مجرد عازف أرغن لامع، لو لم يتلق معاونة كريمة وهبها له صديق غني لوالده اسمه "باريتسي"، عندما أعجب أيما إعجاب بموهبته المبكرة وبتأليفه الموسيقي وبالطريقة التي يعزف بها على الأرغن. فضم فيردي الصغير إلى أسرته وأسكنه معه داره، ثم بسط يده بالمعونة المادية ليستكمل تعليمه في كونسرفتوار ميلانو، وكان يعد من أحسن معاهد تعليم الموسيقى. ولكن خاب أمله، إذ لم يقبله الكونسرفتوار طالباً به بحجة أن عمره أكبر من أن يلتحق به. ومرة أخرى رأى باريتسي، الذي أصر على تعليمه، أن يلتحق فيردي بمعهد خاص للموسيقى في ميلانو أيضاً، مهما كلفه ذلك من مال دفعه له. ومن هنا بدأت صلة فيردي بدار أوبرا "لا سكالا".

ومرت ثمان سنوات وأصبح عمر فيردي ٢٦ سنة، عندما قدمت له دار "لا سكالا" أول أوبرا له. وكان نجاحها عظيماً، مما بدا معه أن الحظ سيكون حليفه. ولكن ما لبث قدره أن تعثر في سلسلة من المتاعب الأليمة. فقبلها بثلاث سنوات كان قد تزوج من كريمة باريتسي وأنجبا طفلين، ولكن بعد سنتين ماتت الزوجة والطفلان. وتبع ذلك، وربما كان بسبب ما أصابه، سقوط أوبراه الثانية.

ومع ذلك، وبعدها بعامين كتب أوبرا جديدة لاقت نجاحاً مدوياً، وكان اسمها "نابوكو"، وكانت تصور الجهاد من أجل الحرية. وقد شاع نجاحها خاصة في شمال إيطاليا، حيث كان يطلق على هذه المنطقة حينئذ اسم "لومبارديا"، وكان هذا الإقليم يطالب وقتئذ بحريته من النمسا لينضم إلى الأقاليم الإيطالية. وفي السنوات التالية بدأ فيردي يحتضن ويساند الحركة الوطنية، فكتب أوبرا مثيرة تصف أنغامها معركة "ليجنانو" التي هزم فيها منذ سنوات طويلة اللومبارديون قوات إمبراطور النمسا بارباروسا. وأكثر من هذا، فقد أصبح اسم "فيردي" صرخة للحرية، ذلك أن اسم العاهل الذي كانت تريده غالبية اللومبارديين كان الملك فيكتور إيمانويل ملك إيطاليا، وقد شاءت الصدفة أن تكون حروف اسم "فيردي" هي نفسها الحروف الأولى لاسم الملك وصفته.

وفي أثناء ذلك، بدأت أوبرات فيردي تضفي عليه الشهرة في كل أنحاء أوروبا، وبدأت تنهال عليه طلبات جديدة وتعاقدات ليؤلف أوبرات جديدة من عواصم العالم: من لندن وباريس وبطرسبورغ ومصر، التي كتب لها واحدة من أشهر أوبراته "عايدة". وظل يؤلف وله من العمر ٨٠ سنة، إذ كتب آخر أوبرا له، وهي "فالستاف". وكان يبدو دائماً العجوز المرح السعيد جداً اللامع الفكر، ومات عندما بلغ الثانية والثمانين بعد أن حقق الكثير في حياته الطويلة، لا لأنه ألف ٣٠ أوبرا فقط، ولكن لأنه ابتدع أسلوباً أوبرالياً جديداً. فقبل أن يجيء كانت الأوبرا رشيقة الأداء وأخاذة، ولكنها تفتقر إلى الدراما والصراع الدنيوي، فأعطاها فيردي دفعة جديدة وشحنة ثائرة من التطور. وكما قدم فيردي لعالم الموسيقى، فإنه قام بدور كبير في تحرير إيطاليا، كذلك وهب الأعمال الخيرية الكثير من ماله، خاصة تلك المستشفى وبيت العجزة للموسيقيين، وفيها مات عام ١٩٠١.
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة