شارل لييل.. أبو الجيولوجيا الحديثة
في العصر الذي ولد فيه شارل لييل في اسكتلندا، أي في عام ١٧٩٧، لم يكن الناس يحفلون بعلم الجيولوجيا، أى علم طبقات الأرض، وكان معظم القوم في تلك الأيام يؤمنون بأن الأرض كروية مستديرة، وإن كانت قلة منهم تعتقد أن الأرض مجوفة، غير أن هذه الاعتقادات كلها كانت مجرد خواطر ترتاد الذهن، ولم تكن بعد نظريات ثابتة قام عليها الدليل، أو آراء زائفة فندها العلماء بالبرهان. وكان الرجل العادي يؤمن أن عمر الأرض محدود، وأنها خلقت سنة ٤٠٠٤ قبل الميلاد، وذلك استنادا إلى ما ذهب إليه بطريرك القرن السابع عشر، أي البابا. ولكن الثابت أن قدماء المصريين الفراعنة عاشوا قبل سنة ٤٠٠٤ بقرون عديدة، فكيف إذن خلقت الأرض في هذا العام؟ لقد كان تحديد هذا التاريخ خطأ لاشك فيه. ولم تصبح الجيولوجيا علما له كيانه واحترامه إلا بعد أن كتب شارل لييل مؤلفه الذي أسماه "مبادئ الجيولوجيا" سنة ١٨٣٠، والتعريف المأخوذ به في تحديد "العلم" هو أنه مجموعة من الحقائق أو المعرفة يصل إليها المرء بالدراسة المنظمة.

ولد شارل لييل في أسرة ثرية تنعم بترف العيش فهيأ له أن يلتحق بأرقى المدارس الخاصة في اسكتلندا. وأراد له أبوه أن ينشئه محاميا، فبعث به إلى لندن ليدرس القانون في جامعة أكسفورد. وحين تخرج منها افتتح لنفسه في لندن مكتبا خاصا، ولكنه ما لبث أن مل القانون بعد عامين، فأغلق المكتب وقد تاقت نفسه إلى أن يمارس عملا آخر. والشئ الذي كانت تهفو إليه نفس لييل ويشغف به هو ارتياد الجبال وتسلقها وفحص الأنواع الغريبة من الصخور. وفي بعض الأحيان كان يعثر على نباتات أو حفريات حيوانية مدفونة في الصخور. والحفريات هي بقايا حيوانات ماتت منذ مئات السنين فتحجرت عظامها. وثار فضول لييل، واستبدت به اللهفة إلى معرفة كيف دفنت هذه الحفريات في قلب الصخرة، وكم يبلغ عمرها. وكان مفروضا في رأيه أن تكون هذه الهياكل العظمية القديمة على سطح الأرض أو الصخور، لا غائصة في قلبها. كما أصبح مهتما بمعرفة ما الذي جعل سطح الأرض خشنا غير مستو، تعلوه أكوام من الحجارة، وتبدو فيه نتوءات حادة وتجويفات بارزة كأنما انكسرت الأرض في هذه المواضع، فتسببت في كل هذه الظواهر.

وكان التفسير الذي ذهب إليه لييل هو أن زلزالا لوى الأرض وقلب عاليها أسفلها، وترتب على ذلك أن نشأت الوديان والجبال. بيد أنه ما لبث أن نبذ هذا التفسير. ولم يعد يجده مقنعا، وازدادت ريبته في هذه النظرية. وتضاعفت شكوكه بعد أن قرأ في سنة ١٧٨٥ كتابا علميا أغفله الناس، وهو الكتاب الذي وضعه جيمس هاتون. وذهب فيه إلى أن الأرض أقدم بكثير جدا مما يمكن أن يتخيل الناس، وكانت خلال هذه الأزمان الطويلة عرضة للكثير من التغييرات. فالوديان والجبال والبراكين لم تتكون نتيجة لكارثة رهيبة وقعت منذ ألوف قليلة محدودة من السنين، وإنما كانت نتيجة لألوف - بل ربما لملايين - من السنين الحافلة بالأمطار والثلوج والرياح والعواصف والجزر والمد، وأن هذه الأحداث كلها كانت تحرك الأشياء الموجودة على سطح الأرض، بيد أن آراء جيمس هاتون هذه لم تلق قبولا من معاصريه من العلماء. غير أن شارل لييل تأثر بها، وآمن بأن هاتون كان يسير على الطريق الصحيح. وأمضى لييل أعواما كثيرة يدرس ويفحص البراكين والكهوف والجبال وقيعان البحيرات الجافة، وغابات أوروبا وأحراشها. وجمع خلال هذه الأعوام كل ما تهيأ له من حفريات عثر عليها.

وانتهى به الأمر أخيرا إلى أن أصبح مقتنعا بأن نظرية هاتون القديمة هي الرأى السليم. وأن عمر الأرض لا يحسب بألوف السنين وإنما بالملايين. كما آمن بأن التغييرات التي نزلت بقشرة الأرض لم تحدث بسبب كارثة واحدة رهيبة، وإنما كانت تغييرات طبيعية بطيئة حدثت على مدى ملايين السنين. وقال لييل إن من الأشياء التي غيرت وجه الأرض، هطول الأمطار الغزيرة والرياح العاصفة والعواصف الرملية والمد والجزر والتيارات المائية والزلازل والأنهار التي تحمل أو تجرف في طريقها الرمال والطمى والطين، وكذلك الينابيع التي تنبثق من باطن الأرض فتخرج منها المعادن. وهكذا تراكمت فوق سطح الأرض طبقات جديدة فوق طبقات، فتكونت الجبال، كما أن الجبال القديمة انخسفت وتلاشت حاملة معها حفريات النبات والهياكل العظمية، فظلت غائصة في بطنها، ومع توالى ألوف ألوف الأعوام دفنت تحت أكداس من الحجارة أو الطين أو الرمل.

وفي سنة ١٨٣٠ نشر شارل لييل الجزء الأول من كتابه الرائع "مبادئ الجيولوجيا"، ثم أتبعه بجزئين آخرين في سنتي ١٨٣٢ و ١٨٣٣، وتضمنت هذه المؤلفات الثلاثة براهين دامغة على نظرياته عن عمر الأرض وكيف تغيرت على مدى الأجيال. وقوبلت كتبه مقابلة طيبة، ووجد لييل نفسه رجلا شهيرا، وإليه يرجع الفضل في أن أصبحت الجيولوجيا علما له قواعد راسخة. وفي عام ١٨٤١ دعى إلى إلقاء بعض المحاضرات في الولايات المتحدة، وأقبل الناس عليها إقبالا شديدا اضطره معه إلى إعادة إلقائها مرة أخرى. وفي ١٨٤٨ أنعمت عليه الملكة فيكتوريا بلقب "فارس"، وبعدها نال لقب البارونية. ولقد كان لكتاب لييل "مبادئ الجيولوجيا" تأثير شديد على شارل داروين، فإذا كانت قشرة الأرض قد تغيرت ببطء خلال العديد من القرون، فلم لا يكون الإنسان نفسه قد تغير أيضا ببطء وتطور؟.. إلى هذه النظرية ذهب داروين. وعندما أصدر كتابه "نظرية التطور" كان لييل من أشد المتحمسين له، حتى إنه أصدر كتابا جمع فيه كل الأبحاث التي استهدفت إقامة الدليل على أن الإنسان منذ ملايين السنين كان على صورة أخرى مختلفة تماما عن صورته الحالية. بيد أن شهرة لييل كان مرجعها إلى أنه واضع الأسس الراسخة لعلم الجيولوجيا الحديثة.
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة