ميكافيللي وبداية الواقعية السياسية
يعد نيكولو ميكافيللي من أبرز المفكرين السياسيين في عصر النهضة، وقد وُلد في مدينة فلورنسا الإيطالية عام ١٤٦٩ في فترة كانت فيها إيطاليا منقسمة إلى دويلات متناحرة، ورغم نشأته في بيئة عادية، فقد تمكن من الوصول إلى منصب سياسي مهم وهو مستشار في الحكومة، مما أتاح له فرصة اكتساب خبرة عملية واسعة من خلال مشاركته في مهام دبلوماسية داخل أوروبا، حيث اطلع على أساليب الحكم والتحالفات والصراعات بين الدول، وجمع بين هذه التجربة العملية واهتمامه بالتاريخ والمعرفة النظرية.

لكن مسيرته السياسية تعرضت لانهيار مفاجئ عندما عادت أسرة ميديتشي إلى الحكم، فتم اعتقاله وتعذيبه واتهامه بالتآمر، ثم أُفرج عنه ليبتعد عن السياسة ويتجه إلى الكتابة، وهناك ألّف كتابه الشهير "الأمير"، الذي ضمنه خلاصة أفكاره وتجربته السياسية، وقدمه كنوع من النصائح للحكام حول كيفية الحفاظ على السلطة وإدارتها بواقعية، حتى لو تطلب ذلك استخدام وسائل قاسية.

ارتبط اسم ميكافيللي بمفهوم "الغاية تبرر الوسيلة"، حيث رأى أن السياسة لا يجب أن تخضع دائماً للأخلاق التقليدية، بل يجب أن تتعامل مع الواقع كما هو، ونصح الحاكم بأن يجمع بين صفات القوة والدهاء، مثل الأسد في القوة والثعلب في المكر، حتى يتمكن من مواجهة الأخطار والمؤامرات، وقد أثارت هذه الأفكار جدلاً واسعاً، واعتبره البعض رمزاً للدهاء السياسي والانتهازية.

ورغم سمعته المثيرة للجدل، يرى كثير من المفكرين أن ميكافيللي أسهم في تأسيس علم السياسة الحديث، لأنه كان من أوائل من حاولوا دراسة الحكم بعيداً عن التأثير الديني وهيمنة الكنيسة، إلا أن المفارقة في حياته أنه لم يتمكن من العودة إلى العمل السياسي رغم محاولاته، وتوفي عام ١٥٢٧ دون أن يحقق هدفه، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً ما زال يؤثر في فهم السياسة حتى اليوم.
معلمة maalama.com
X    facebook    whatsapp

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة