تخيل أن أوكرانيا، التي تلقب اليوم "سلة الغذاء العالمية"، وتعد من أكبر مصدري الحبوب في العالم، قد شهدت أيام الحكم السوفياتي واحدة من أسوأ مجاعات القرن الماضي. بلغ عدد ضحايا هذه المجاعة نحو ٤ ملايين، وكانت من صنع البشر حسب ما يقول الأوكرانيون، ويحملون مسؤوليتها للزعيم السوفياتي "جوزيف ستالين". فما القصة؟
مجاعة هندسها السوفيات
سميت المجاعة "هولودومور"، وهو مصطلح أوكراني يعني "القتل جوعا"، وقد استعمل أثناء المجاعة في جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية، بين عامي ١٩٣٣-١٩٣٢. كان ضحايا هذه المجاعة أساساً من المزارعين والقرويين الريفيين وكانوا نحو ٨٠% من السكان الأوكرانيين يومئذ. تصنف هذه المجاعة "صناعة بشرية"، هندستها الحكومة السوفياتية المركزية، بقيادة "جوزيف ستالين".
التجميع القسري
بدأت الأزمة بتطبيق "ستالين" سياسة تجميع الزراعة قسرا، بدءا من عام ١٩٢٩، وذلك جزء من خطة السنوات الخمس الأولى في المجال الزراعي. ركزت هذه السياسة على إزالة المزارع التي يمتلكها الأفراد، واتخاذها مزارع جماعية ضخمة تابعة للدولة. كان الاتحاد السوفياتي يرى المزارعين الأوكرانيين ميسورين، وصنفهم "أعداء طبقيين"، لا سيما بعد رفضهم التخلي عن أراضيهم، فبدأ العقاب بطرد الآلاف منهم من مزارعهم بالقوة.
مصادرة الحبوب أداة عقاب
في خريف ١٩٣٢، كان حصاد الحبوب في أوكرانيا بعيدا عن أهداف المخططين السوفيات بنسبة ٦٠%، فرأى "ستالين" أن السبب تمرد المزارعين، فأصدر مرسوم ديسمبر ١٩٣٢، الذي أمر بمصادرة ما بقي لديهم، عقابا لهم. شملت المصادرة الحبوب المخصصة بذورا للحصاد التالي، وصندوق الحبوب المخصص لحالات الطوارئ، مما تسبب في امتداد المجاعة.
استهداف الهوية الوطنية والثقافية
تزامنت المصادرة مع ما رآه الأوكرانيون قمعا شديدا لهويتهم الوطنية، فقد أصدرت الحكومة المركزية تعليمات بوقف استخدام اللغة الأوكرانية في المراسلات، واعتقل عشرات الآلاف من المعلمين والمثقفين، وصودرت الكتب المكتوبة بالأوكرانية من المدارس والمكتبات.
الخسائر البشرية
يقدر أن نطاق وفيات المجاعة في أوكرانيا يتراوح بين ٣.٥ ملايين و ٥ ملايين وفاة، وتحدد بعض الدراسات العدد بنحو ٣.٩ ملايين، أي نحو ١٣% من الشعب الأوكراني يومئذ، وبلغ تأثيرها أجزاء من روسيا الحالية، وأجزاء من كازاخستان. في ٢٥ ديسمبر ١٩٨٧، كان أول ذكر علني للمجاعة، في خطاب رسمي من "فولوديمير شربيتسكي"، سكرتير الحزب الشيوعي الأول في أوكرانيا السوفياتية.
كسر الصمت
في مارس ١٩٣٣، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية سلسلة من تقارير الصحفي "مالكولم ماغريدج"، كشفت وجود مجاعة من صنع البشر في الاتحاد السوفياتي. سافر "ماغريدج" سراً عبر أوكرانيا وشمال القوقاز، وهربت تقاريره الثلاثة من دون كشف اسمه، لتجنب الرقابة. لكن الاتحاد السوفياتي أنكر المجاعة، واستمر الإنكار عقوداً، وواجهت الحكومة السوفياتية بالسخرية دعوات إرسال المساعدات الغذائية من دول أخرى.
عقود من الإخفاء
تغير كل شيء في عهد "ميخائيل غورباتشوف"، بعد رفعه حظر النقاش عن كل الملفات العامة في أيام الشفافية، وهي سياسة إصلاحية بدأها في الثمانينيات. أكدت سجلات الحزب الشيوعي الرسمية أن المجاعة ناجمة عن سياسات الدولة، واعترف بها مؤرخون،روس، لكنهم رفضوا نفي طبيعتها المفتعلة رفضاً قاطعاً. ومنذ عام ٢٠٠٦، اعترفت أوكرانيا المستقلة بالمجاعة، بموجب القانون الوطني الأوكراني، وصنفتها إبادة جماعية للأمة الأوكرانية.
الاعتراف الدولي والرفض الروسي
اعترف البرلمان الأوروبي وأكثر من ٣٠ دولة عضوا في الأمم المتحدة بمجاعة أوكرانيا إبادة جماعية. أما مجلس النواب الروسي، فقد اعترف عام ٢٠٠٨ بأن النظام السوفياتي "أهمل حياة الناس لتحقيق الأهداف الاقتصادية والسياسية"، لكنه أكد رفض روسيا القاطع تصنيف المجاعة "إبادة جماعية" موجهة ضد الأوكرانيين. وقد أدانت روسيا كل قرار دولي يعتمد هذا التصنيف، بوصفه محاولة لـ "شيطنة روسيا"، لافتة إلى أن سبب المجاعة كارثة عامة طالت إنتاج الحبوب، لا استهداف عرقي.