لا شك أنك تابعت يوما فيلم رعب من منزلك، أو ذهبت إلى السينما رفقة أصدقائك لمشاهدة فيلم حاصل على أعلى تقييم في الرعب والخوف. ينتهي الفيلم وأنت تشعر بالقلق وعدم الأمان، فتتساءل لماذا أفعل هذا في نفسي؟ هل يعقل أن أدفع المال من أجل أن أخاف؟ أو قد تكون من الأشخاص الذين لا يحبون أفلام الرعب وتتساءل لماذا يفعل بعض الناس هذا بأنفسهم؟ كيف يستمتعون بالخوف؟ سواء كنت من الفريق الأول أو الثاني نقدم لك اليوم إجابة على هذه الأسئلة…
الخوف..استجابة طبيعية قبل كل شيء
عندما نتعرض لتهديد معين فإن جسمنا ودماغنا يستعدان لمواجهة الخطر من خلال إفراز مواد كيميائية بشكل تلقائي وهذه المواد الكيميائية تعمل على شحن الجسم بالقوة الكافية، وضمان عدم استشعارنا الإحساس بالألم. كما تمكننا هذه الإفرازات من تعطيل النظم غير الأساسية التي تستهلك من طاقتنا البيولوجية ولا تلزمنا، فالتفكير الناقد مثلا لن يفيدنا عندما يكون هناك خطر يهدد حياتنا، بل يلزمنا أن نكون نشيطين ولا نشعر بالألم للبقاء على قيد الحياة، إما بالهروب أو بالدفاع عن النفس. هذه الاستجابة التلقائية المنظمة التي خلقها الله فينا تضاعف من قوتنا ونشاطنا وقدرتنا على تحمل الألم عندما نحتاج لذلك، وهو ما يساعدنا على مواجهة الأخطار المختلفة.
عندما يتحول الخوف إلى متعة..
تعلم الآن أن المواد الكيميائية -مثل الأدرينالين والإندورفين والأوكسيتوسين والدوبامين والكورتيزول- التي يفرزها الجسم عند الخوف، هدفها مساعدتنا في البقاء على قيد الحياة. فماذا لو حصلنا على الشعور نفسه بقوة مضاعفة ونشاط؟ ودون أي إحساس بالألم وبتفكير خال من الأمور المقلقة؟ وربما يمكننا أن نقول بتفكير سطحي غير عميق تنشغل به أذهاننا عادة لكن بدون وجود تهديد حقيقي؟ عندئذ سوف تكون لدينا استجابة شبيهة، لكنها غير مطابقة تماما للحماس، وسوف يتحول الخوف إلى متعة. تابع لتفهم بمزيد من التفصيل كيفية حدوث ذلك.
شعورنا بالمتعة نابع من تغلبنا على الخوف
عندما يكون الخطر حقيقياً فإننا نركز على البقاء على قيد الحياة، ونستخدم من أجل ذلك القوة البدنية المضاعفة والنشاط وعدم الإحساس بالألم للهروب أو الدفاع عن النفس. لكن عندما نشاهد فيلم رعب أو نركب لعبة الأفعوانية في مدينة الملاهي فنحن نعلم أن التهديد ليس حقيقيا وأن كل شيء تحت السيطرة، فلا يتعين علينا استخدام القوة البدنية المضاعفة ولا النشاط ولا عدم الإحساس بالألم من أجل الهرب بل نستمتع بها فقط. لذلك تصنع أفلام الرعب وتصمّم الألعاب في الملاهي من أجل تحفيز هذه الاستجابة التلقائية للخطر لكن في مكان آمن. إذا كان الأمر كذلك لماذا نجد أن البعض يكره أفلام الرعب ويحب ركوب الأفعوانية، بينما يحب آخرون أفلام الرعب ويكرهون الأفعوانية، ونجد أن هناك أشخاصا لا يحبون كليهما؟
فيلم رعب أم أفعوانية؟
أوضحت الأبحاث أن هناك تفاوتاً بين الأفراد في كيفية تنظيم الإفرازات الكيميائية المرتبطة بالخطر، فبينما يحب بعض الناس الإحساس بالتشويق يكره البعض الآخر هذا الشعور، وبينما يحب البعض أن يشعر بالدوار أثناء اللعب يصاب البعض الآخر بالاشمئزاز من الشعور نفسه. وعلى الأغلب فإن أولئك الذين يحبون إحساس السقوط والسرعة والدوار سوف يحبون ركوب الأفعوانية عكس غيرهم ممن يشعرون بالاشمئزاز. إضافة إلى ما شرحناه من استمتاع البعض بالشعور بالإثارة الذي ينتج عن الخوف، فإن هناك سببا آخر يجعل البعض يخوض تجارب مخيفة، وهو الشعور بالتحدي والإنجاز عند التغلب عليه.
التمييز بين التهديد الحقيقي وغير الحقيقي
دماغ الإنسان كعضو لا يميز بين الخطر الحقيقي وغير الحقيقي ويعطينا الاستجابات نفسها والشعور نفسه، وهنا يأتي دور العقل الذي يميز التهديد الحقيقي عن التهديد غير الحقيقي. العقل هو القادر إذن على التمييز بين الصواب والخطأ وبين الحقيقة والخيال وهو غير مادي وليس عضو الدماغ نفسه، فالدماغ يستجيب فقط للمؤثرات، أما العقل فهو القدرة غير المادية التي ميز الله بها الإنسان عن غيره من المخلوقات. لذلك فإن الإنسان يستخدم عقله أولاً، ولا يعتمد فقط على استجاباته الدماغية، فلو فعل ذلك وعطّل عقله، فقد نجده مثلا يهرب من الشبح في فيلم للرعب، أو يظل ضاحكاً بينما يقترب منه أسد ضخم يهدد حياته.
الخوف الآمن لا يعني انعدام الضرر
صحيح أن المتعة تتحقق عند الشعور بالخوف في بيئة آمنة، ولكن البيئة الآمنة لا تعني أنه لا توجد أضرار لذلك على الإطلاق، ووفقا لدراسة نشرت عام ٢٠١٧ في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية "بناس" فإن الخوف يؤدي إلى زيادة ضغط الدم ومعدل ضربات القلب واضطراب التنفس، ولذلك عندما يكون الخوف شديدا أو يختبر لفترة طويلة، فإنه يؤدي إلى مشاكل صحية. من جهة أخرى فإن أفلام الرعب تحتوي على حيل نفسية وأوهام تنشأ من خلال التلاعب بالصور والأصوات والمؤثرات البصرية، وعلى الرغم من أننا نعرف أن المشاهد مجرد تمثيل فإن الدماغ يخزنها، وهو ما قد يزيد الكوابيس لدى بعض الأشخاص ويسبب لهم اضطرابات بالنوم، وتشير الأبحاث إلى أن البقاء لمدة ٣ ليال متتالية أو أكثر دون نوم يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في الإدراك وأوهام وهلوسة.
