بفعل الواقع غير المستقر الذي تشهده منطقة الساحل، باتت قوى العالم الكبرى تسعى لوضع قدم لها في موريتانيا لما تمثله من أهمية جيوسياسية كبيرة، سواء في ملفات الطاقة والمعادن، أو بما يمكن أن توفره موريتانيا لها من منافذ نحو دول الساحل والمحيط الأطلسي.
أولاً: لماذا موريتانيا؟
مكانة موريتانيا كبيرة لأنها المعقل الوحيد للاستقرار السياسي النسبي في منطقة الساحل، التي تعج بالانقلابات العسكرية في كل من مالي وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر. كما أن امتلاك موريتانيا لاحتياطات الغاز، واحتياطات مهمة من المعادن مثل الحديد، إضافة الى امتلاكها واجهة ساحلية مهمة إستراتيجياً على المحيط الأطلسي، كل هذا يجعلها مهمة بالنسبة للاعبين الكبار.
ثانياً: القضاء على الإرهاب
منذ أن اختطف مسلحون مرتبطون بتنظيم القاعدة في بلاد الغرب الإسلامي ضابط الشرطة بين موريتانيا ومالي في ديسمبر ٢٠١١، لم تشهد موريتانيا أي هجمات إرهابية، وذلك بفعل: تفعيل قانون مكافحة الإرهاب، الذي سمح لوحدات صحراوية متنقلة مدربة على القتال وتسمى "مجموعات التدخل الخاصة" بمهاجمة الإرهابيين. تجديد الخطاب الديني الداخلي وجعله أقرب الى التسامح الموريتاني.
ثالثاً: ملف الهجرة
موريتانيا مهمة للأوروبيين لما تملكه من قدرة على كبح الهجرة غير القانونية التي يقوم بها أفارقة الساحل تجاه أوروبا، حيث إن موريتانيا طريق عبور للمهاجرين الأفارقة، وبناء عليه أبرمت إسبانيا اتفاقاً لتقديم المساعدة اللوجستية لجهود موريتانيا التي تكبح جماح الهجرة غير الشرعية.
رابعاً: الناتو وحلم تطويق موريتانيا
أثارت دعوة موريتانيا الموجهة لحلف شمال الأطلسي لحضور قمة مدريد في يونيو ٢٠٢٢، باعتبارها شريكاً من خارج الناتو، تكهنات بإمكانية إنشاء قاعدة للناتو على ساحلها الأطلسي ذي القيمة الإستراتيجية. كما أن حلف شمال الأطلسي يسعى الى وضع قدم له في موريتانيا من أجل الحفاظ على تقدمه العسكري في منطقة الساحل بعد تراجع النفوذ الفرنسي فيه، كما تسعى موريتانيا الى وقف النفوذ الروسي في منطقة غرب أفريقيا من جانب آخر.
خامساً: طاقة موريتانيا
مما يزيد من أهمية موريتانيا سعي الدول الأوروبية الى البحث عن موردي الطاقة البديلة، حيث تسعى أوروبا الى الاستثمار في الجو الموريتاني الذي يمكن أن يولد طاقة كهربائية بفعل الطاقة الشمسية وتطوير الهيدروجين الأخضر. كما أن موريتانيا ستصبح مصدراً للغاز الى أوروبا بحلول نهاية عام ٢٠٢٣ مع اكتمال المرحلة الأولى من مشروع تورتو الكبرى أحميم، الذي تشرف عليه شركة النفط البريطانية "بي بي" (BP) قبالة سواحل السنغال وموريتانيا.
سادساً: طريق الحرير الصيني
التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ بنظيره الموريتاني الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في مدينة تشنغدو الصينية في ٢٨ يوليو ٢٠٢٣، ليكون اللقاء الثاني الذي يجمع بينهما في غضون ثمانية أشهر، وعليه وقعت الصين اتفاقية تعاون امتدت الى قطاعات الزراعة ومصايد الأسماك والطاقة الخضراء، كما منحت الصين ٢١ مليون دولار لموريتانيا لتخفيف عبء الديون عليها، كما أن موريتانيا انضمت الى مبادرة الحزام والطريق في عام ٢٠١٨.
سابعاً: الأطماع الروسية
تجمع موريتانيا روابط أمنية وثيقة بروسيا، لما تمثله منطقة الساحل من أهمية بالنسبة للروس، وتتمثل بوجود مجموعة فاغنر في مجموعة من بلدان الساحل على رأسها جارة موريتانيا "مالي"، ورغم الموقع الموريتاني الرافض للسياسة الروسية في أوكرانيا المتمثل في تصويت موريتانيا المؤيد لأوكرانيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن روسيا تسعى للتعاون مع موريتانيا في الملفات الأمنية التي تهم منطقة الساحل، بسبب غنى هذه المنطقة بالثروات، كما أنها تسعى للحد من وجود حلف شمال الأطلسي في منطقة الساحل.