رئيس يفرض عبادة شخصيته
بعد استقلالها عن الاتحاد السوفياتي في عام ١٩٩١، كان "صابر مراد نيازوف" رئيس تركمانستان الأوحد الذي لم يبعده عن كرسي الرئاسة سوى الموت عام ٢٠٠٦، أطلق على نفسه "زعيم كل التركمان". فرض "نيازوف" قانوناً سمح له أن يكون رئيساً مدى الحياة مع بعض أفراد أسرته، وأحاط نفسه بكثير من القداسة، حتى إنه بنى تماثيل من الذهب لنفسه، ونصبها في الساحات الرئيسية بمدن البلاد. شملت أفكار "الرئيس الأوحد" جل مظاهر الحياة في تركمانستان، فقد وضع تقويماً محلياً أعاد فيه تسمية أشهر بأسماء منها اسمه، كما أطلق اسم أمه على الخبز، وفرض أيضاً تدريس كتاب "الروناما" الذي ألّفه هو، ولا يحتوي إلا أقوالاً مبتذلة. وقد تميز عهده بقمع شديد للمعارضة، لدرجة أنها اندثرت، ومن قراراته الغريبة كذلك منع المواطنات من وضع مساحيق التجميل، وإغلاق المستشفيات في الأرياف.
البلد المنغلق على نفسه
عُرفت تركمانستان بأنها من أكثر بلدان العالم انغلاقاً وقمعاً للحريات، حتى رآها بعض الناس نسخة من كوريا الشمالية في آسيا الوسطى. يقطنها حوالي ٧ ملايين نسمة، وعاصمتها هي عشق آباد، وتحيط بها من الجنوب أفغانستان وإيران، ومن الشمال أوزبكستان وكازاخستان، ولها إطلالة بحرية وحيدة في الغرب على بحر قزوين. يحتل البلد دوماً أحد المراكز الخمس الأخيرة في مؤشرات حرية التعبير والحريات السياسية. ومع أن ٨٩% من سكانه مسلمون، فإن هناك تضييقاً كبيراً على مظاهر التدين في البلاد، ومن ذلك منع الحجاب، إذ تعتمد البلاد نمطاً علمانياً خاصاً بها.
تكريم الكلاب
احتفى الرئيس الأول للبلاد بعد استقلالها "صابر مراد نيازوف" بالكلاب، حتى بلغ تعظيمه لها أن بنى تمثالاً لكلبه تمثالاً لكلبه النافق حزناً عليه. ولم يتوقف الأمر عنده، فخليفته "قربان قولي بردي محمدوف" كرّم سلالة كلاب "ألاباي" المفضلة لديه، بنصب تمثال ذهبي عملاق لها في العاصمة عشق آباد عام ٢٠٢٠، كما خصص كتاباً لهذه الفصيلة، بحكم أنها تندرج ضمن التراث الوطني للبلاد. وليست الكلاب وحدها المحظوظة بحب الرئيس، فالحصان المفضل لدى "قربان محمدوف" نال شرف تمثال خاص في عشق آباد، وهو من فصيلة "أخال - تيكي" التي أصبحت رمزاً وطنياً للرئيس وللبلاد.
خلف يتبع خطى السلف
لم ينتخب "قربان بيردي محمدوف" بشكل ديمقراطي عام ٢٠٠٧، فقد كان اليد اليمنى لسلفه "نيازوف"، واستمر على رأس البلاد الى غاية ٢٠٢٢، متبعاً نهج سلفه في الإنغلاق، مع أنه أجرى بعض الإصلاحات الجزئية. فقد عدّل الدستور لتصير الولاية الرئاسية سبع سنوات، وأن يكون للرئيس الحق في الحكم حتى ولو تجاوز ٧٠ سنة، وهي شروط وضعها سلفه لمن سيأتي بعده. وقد بنى "محمدوف" أيضاً تمثالاً ذهبياً لنفسه، وعُرف بتصرفات غريبة، ومن ذلك أمره بحجز السيارات السوداء في العاصمة لأنه يتشاءم بهذا اللون، ولم يكن بمقدور مالكي السيارات السوداء استعادتها إلا بعد دفع مقابل للسلطات لتغيير لونها.
الإنترنت تحت القسم بالقرآن!
تدعي الحكومة أن نسب الفقر تراجعت بشكل كبير جداً في البلاد، وصارت أقل من ١%، وهو رقم تشكك في صحته منظمات دولية. الغاز والكهرباء متاحان بالمجان، لكن هناك قيوداً كثيرة على استخدام الإنترنت، إذ يحتاج ذلك لرخصة خاصة للتأكد من طريقة استخدام هذه الشبكة، ويجب القسم بالقرآن للتأكيد على أن استخدامها سيبقى في حدود "المشروع". وتحظر السلطات استخدام اللاقطات الهوائية حتى لا يشاهد المواطنون فضائيات أجنبية، كما يخضع أي أجنبي يدخل البلد للمراقبة، مما جعل تركمانستان من أقل بلدان العالم استقبالاً للسياح، إذ لم يتجاوز عددهم في عام ٢٠١٦ حوالي ٦٠٠٠ سائح.
جنة القطن والغاز
تنعم تركمانستان باحتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي تعد من بين الأكبر في العالم، تنتج منها حوالي ٧٠ مليار متر مكعب سنوياً، ويصدر جلّ هذا الغاز الى روسيا، وتحديداً "غازبروم"، وكذلك الى الصين، وعلى إثر أزمة الطاقة في أوروبا، أصبحت تركمانستان مصدراً جديداً للغاز، فوقعت اتفاقيات مع تركيا لتصدير هذه المادة. تعتمد كذلك على النشاط الزراعي الموجه بشكل كبير لإنتاج القطن، وهي من أكبر مصدريه في العالم. لكنها تتهم بغض النظر عن تشغيل الأطفال في هذه الزراعة، مما دفع الولايات المتحدة الى وقف استيراد القطن منها، كما وُجهت لها انتقادات في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بخصوص العمل القسري في حقول القطن.
حفرة جهنم!
تسمى كذلك بباب الجحيم، وهي حفرة يبلغ اتساعها ٦٩ متراً وعمقها ٣٠ متراً، توجد في الصحراء على بعد ٢٥٠ كيلومتر من العاصمة عشق آباد، لم تتوقف فيها النيران منذ عقود. تتعدد تفسيرات سبب اشتعال النار الدائم، فقيل إنها اشتعلت عمداً بسبب تصور وجود نفط تحتها، أو لمنع تسرب غاز الميثان، ويرى آخرون أن جيولوجيين سوفيات هم من أشعلوا النار خطأ، لكن لا جواب رسمي. وقد حاولت الدولة إغلاقها، لكنها لم تنجح في ذلك.
هدايا لمن ينتخبون ابن الرئيس
تولى "سردار بيردي محمدوف" -وهو ابن الرئيس "قربان" رئاسة البلد في عام ٢٠٢٢، في انتخابات شكلية. فالأب الرئيس السابق لم ينسحب، بل تولى منصب رئيس المجلس التشريعي الوحيد بعد إلغاء مجلس الشيوخ، مما جعله يتحكم بالتوجهات العامة للبلد، وقدمت السلطات بشكل علني هدايا للناخبين خلا "عملية انتخاب سردار"، وذلك لـ"إرساء الديمقراطية" حسب تصريحات رسمية. بلغ عدد المرشحين لهذه الانتخابات الرئاسية ٢٥٨، دلالة على الديمقراطية المزعومة، لكن ابن الرئيس السابق وحده هو من كان معروفاً منهم، وقد نال لقب "بطل البلاد" بقرار من البرلمان نظير "الخدمات الاستثنائية" التي قدمها لبلده.
