أزمة الزواج في العالم

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تراجع معدل الزواج تراجعاً مستمراً، لكن الانخفاض أصبح أكثر حدة في العقد الماضي. فبين عامي ٢٠١٩-٢٠٢٢ تراجع معدل الزواج من ٤.٣ إلى ٣.٢ لكل ألف إنسان، أي بانخفاض يقارب ٢٥%. ومع أن هذا يُعزى جزئياً إلى تأثير جائحة "كوفيد ١٩"، فإن الاتجاه العام نحو الانخفاض، ما زال مستمرا منذ يومئذ. فما الذي يفسر ذلك ؟

وضع أسود في شرق آسيا
تشهد دول شرق آسيا تراجعاً حاداً في معدلات الزواج، وتعد اليابان من أكثرها تأثراً بمعدل لا يتجاوز ٤.١ لكل ألف نسمة، ويتناقص عاماً بعد عام. أما في كوريا الجنوبية فالوضع أكثر سوءا، فقد انخفض المعدل إلى ٣.٧ لكل ألف نسمة، وتراجع عدد عقود الزواج إلى النصف تقريبا في السنوات الماضية. وبما أن ثقافة المنطقة تعارض إنجاب الأطفال خارج إطار الزواج، فإن انخفاض معدلات الزواج، أصبح مرتبطا مباشرة بانخفاض معدلات المواليد.

ندرة الزواج في أوروبا
تبدو أزمة الزواج في أوروبا أكثر عمقاً، وتسجل سلوفينيا وإيطاليا أدنى المعدلات، بنحو ٣ زيجات من كل ألف نسمة. وفي المقابل، تزايدت ظاهرة الشراكات المدنية والمساكنة تزايداً ملحوظاً، وتذكر أحدث الأرقام المتوفرة أن نصف الأطفال في ٦ دول أوروبية كبرى، قد ولدوا خارج إطار الزواج بحلول عام ٢٠٠٣.

تذبذب لدى العرب
تتذبذب الأرقام في الدول العربية، لكن مصر تحمل أرقاماً جيدة في مؤسسة الزواج، وتفيد نشرة إحصاءات الزواج والطلاق السنوية عام ٢٠٢٣، بوقوع ارتفاع في عدد عقود الزواج بـ ٣.٤% وانخفاض في حالات الطلاق بـ ١.٦%، مقارنة بعام ٢٠٢٢. كما شهد الأردن انخفاضاً واضحاً في حالات الزواج عام ٢٠٢٣ بنسبة ٥.٨%، وأضحت ظاهرة تأخر الزواج منتشرة بكثرة بسبب الضغوط الاقتصادية أساساً.

ارتفاع نسب المساكنة في الغرب
لانخفاض عقود الزواج في الغرب عدة عوامل، فقد أصبحت المساكنة شائعة وبديلا اقتصاديا منخفض التكلفة، مقارنة بتكاليف الزفاف والطلاق. كما أصبح الزواج عقدا قانونيا مرتفع الخطر، لا سيما مع انتشار ثقافة الحرية الفردية، وغياب قوانين تمنع العيش المشترك من دون عقد رسمي.

الضغوط الاقتصادية
أسهمت القوانين الغربية بعدة دول في دفع الأفراد إلى ترك الزواج، ففي هولندا مثلا قوانين تمنح حقوقا متساوية للشركاء المتزوجين وغير المتزوجين. أما في المنطقة العربية الإسلامية، فلا تزال الضغوط الاقتصادية من الأسباب المهمة لتراجع نسب الزواج أو تأخره، ومن ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة، فضلا عن خروج المرأة للعمل.

ارتفاع نسب الطلاق
مع تراجع نسب الزواج، يظهر ارتفاع مقلق في حالات الطلاق. ففي المغرب مثلا، سجلت ٦٥ ألف حالة طلاق عام ٢٠٢٤، مقارنة بـ ٤٤ ألف حالة عام ٢٠١٤. ولوحظ أن غالبية هذه الحالات تكون باتفاق بين الطرفين وتشكل النساء أكثر المطلقين بنسبة %٦٨%، مما يعني أن معظمهن يعشن بعد الطلاق من غير أن يتزوجن مرة أخرى.

عمل المرأة وحبوب منع الحمل
يرى بعض الناس أن حدثين رئيسين في العالم أسهما كثيرا في تراجع الزواج، هما انتشار حبوب منع الحمل، التي مكنت المرأة من التحكم في الإنجاب، وخروجها للعمل، مما يعني تلاشي حاجة المرأة للزواج اقتصاديا، لأنه كان عقداً يوفر الأمن المالي. أما عالم الاجتماع البولندي "زيغمونت باومان"، فنجد عنده فهما آخر للموضوع، من خلال مصطلح الحب السائل"، الذي يصف به هشاشة العلاقات وسطحيتها في السياق المعاصر. ويقول إن الروابط "الصلبة" القديمة كانت تتطلب تضحيات وتجرداً ذاتياً تاماً، وهو ما ترفضه الذات الفردانية الحديثة.

ما السبيل لإنقاذ الزواج ؟
ترى اتجاهات متعددة أن إنقاذ مؤسسة الزواج ممكن، عند التركيز أساسا على الحاجيات العاطفية والنفسية، لأنه ليس مجرد واجب اجتماعي أو عامل اقتصادي. كما تؤدي التقاليد الاجتماعية دورا رئيسا في استمرار مؤسسة الزواج، لا سيما لدى المجتمعات المتدينة. ويحاجج بعض الناس بأن ارتفاع تكاليف تربية الأبناء، والحرص على ضمان مستقبل جيد لهم، قد يشكل دافعا اقتصاديا للزواج، حتى مع خروج المرأة للعمل.

معلمة maalama.com
نوفمبر ٢٠٢٥
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة