الأونيغيري .. كرات الأرز اليابانية

يعد الأرز طعاما عالميا، تلتقي عنده أذواق البشر شرقا وغربا، لكن في آسيا تحديدا يحظى باهتمام خاص، إذ يصبح كرات صغيرة متماسكة تثير الفضول. ولعلّك تساءلت يوما: ما سر هذا الشكل بالذات؟ في اليابان، ليست هذه الكرات مجرد طريقة للأكل، بل وراءها حكاية تمتد لآلاف السنين..

عادة منذ آلاف السنين
قبل أكثر من ألفي عام، لم يكن الإنسان يعرف الثلاجات ولا الطعام المعلب، فلجأ اليابانيون إلى فكرة عبقرية وبسيطة في آن واحد، ألا وهي ضغط الأرز المطهو، وتشكيله في كرات صغيرة تحفظه أطول وقت ممكن. وقد اكتشف الباحثون كتلا متفحمة من الأرز، تعود إلى نحو عام ٣٠٠ قبل الميلاد، وتظهر عليها آثار أصابع بشرية، فذلك دليل على أنها عادة ضاربة في التاريخ، وأن الطريقة التي نعرفها اليوم ليست إلا امتدادا لتقليد قديم جدا. لكن ما السر وراء هذه الممارسة ؟

وجبة الجنود والرحالة
الأونيغيري وجبة يابانية، هي عبارة عن كرة أو مثلث من الأرز المطهو المضغوط قليلا، توضع معه أحيانا حشوة مالحة أو حامضة، وقد تلف بورق الطحالب البحرية، ولها قصة طويلة. فقد كانت رفيقة الجنود في ساحات القتال، لأنها خفيفة الحمل مشبعة، تؤكل بسرعة وسط الفوضى. وتذكر مصادر التاريخ أن النساء كن يجهزنها للمسافرين أو المحاربين من أهلهن، فأصبحت رمزا للحماية والوداع. لقد كانت شطيرة الجندي الياباني منذ مئات السنين.

من حقول الأرز إلى مقاعد الدراسة
مع مرور الزمن، أصبح الأونيغيري جزءا من الحياة اليومية، فأصبح غذاء الفلاحين في الحقول، ثم شق طريقه إلى المدارس. ففي القرن ١٩، اتخذ وجبة مدرسية للأطفال الفقراء بمنطقة ياماغاتا. لكن لم يبق رمزا للفقر، بل أصبح ضيفا حاضرا في اللحظات السعيدة أيضا، من عروض الألعاب النارية، إلى نزهات مشاهدة أزهار الكرز، ولكثير من الناس ذكريات دافئة من طفولتهم، وهم يشكلون كرات الأرز بأيديهم مع أمهاتهم.

وجبة سريعة لا تشبه السوشي
يخلط كثيرون بين الأونيغيري والسوشي، وشتان ما بينهما، فالأونيغيري يُعد من الأرز المطهو العادي، يُشكل ويُحشى بمكونات عادية، ويُلف أحيانا بورق الطحالب البحرية. أما السوشي، فيعتمد على أرز منه بالخل والملح والسكر، وغالبا ما يُقدم مع مكونات بحرية نيئة، لذا ظل الأونيغيري وجبة يومية بسيطة، واحتفظ السوشي بطابعه الأكثر تخصصا واحتفالية.

ثورة المتاجر الكبرى
مع دخول القرن العشرين، خرج الأونيغيري من البيوت إلى المتاجر، لكن البداية لم تكن يسيرة. ففي عام ١٩٧٤، افتتح أول متجر لسلسلة "سفن الفن" في طوكيو، ولم يقدم كرات الأرز في البداية، لأنها بدت تقليدية جدا. لكن الأطعمة الغربية التي عُرضت آنذاك أخفقت، فدخل الأونيغيري إلى الرفوف عام ١٩٧٨، وفي عام ١٩٨٣ ظهر الإصدار الشهير بحشوة التونة مع المايونيز. ومنذ يومئذ، أصبح يُباع بملايين القطع يوميا، وأضحى رمزا للوجبة السريعة اليابانية التقليدية.

من اليابان إلى العالم
لم يبق الأونيغيري حبيس المطبخ الياباني، بل اجتاز الحدود حتى بلغ متاجر أوروبا وأمريكا، وحتى البقالات اليابانية المنتشرة حول العالم. وهكذا تحول من وجبة بسيطة مشبعة، يسيرة الحمل عند المسافرين والجنود والفلاحين، إلى وجبة تباع بالملايين يوميا. وبفضل هذا الإرث الطويل، ظل اليابانيون مرتبطين بكرات الأرز دائما، لما بين طياتها من الذكريات والتقاليد.

معلمة maalama.com
تم النشر في نوفمبر ٢٠٢٥
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة