تخيل أن الساعة الآن الرابعة فجراً ولديك امتحان غداً، الساعة الواحدة ظهراً ولم تتمكن من إنهاء المنهاج بعد. ماذا ستفعل؟ .. إذا كنت تريد أن تتذكر المعلومات التي درستها بشكل أفضل في الامتحان عليك أن تنام جيداً، فالنوم ليس مجرد استراحة بل عملية حيوية تُعاد خلالها هيكلة الدماغ.
كيف تتكون الذكرى؟
الدماغ أشد الأعضاء التي خلقها الله لنا تعقيدا، وما زال العلماء إلى اليوم يجهلون أكثر بكثير مما يعرفون: كيفية عمله، لكن من خلال أجهزة التخطيط الكهربائية وبعض الدراسات الأخرى توصل العلماء لبعض الاكتشافات يهمنا منها ذلك المتعلق بالذاكرة. في الماضي تصور "شارلوك هولمز" أن الدماغ فيه مساحة محددة مسؤولة عن تخزين المعلومات والمهارات والأحداث أي مثل الأدراج، أو مثل ذاكرة جهاز الحاسوب والهاتف الموجودة اليوم، لكن هذا غير صحيح. أدمغتنا لا تطلب منا بين فترة وأخرى أن نمحو الصور والأحداث والمعلومات المخزنة، لأن مساحة الذاكرة فيها امتلأت، إذن كيف نتذكر وننسى؟ … ذاكرة الإنسان ليست شيئاً مادياً نستطيع العثور عليه في خلية محددة في الدماغ كما نعثر عليه في ملف محدد على جهاز الكمبيوتر، لأن الصور والمعلومات والمهارات والروائح وكل ما نتعرض له خلال حياتنا يخزن في خلايا عصبية مختلفة في جميع أنحاء الدماغ، ثم تعمل هذه الخلايا مجتمعة معا على تكوين ذاكرة واحدة. لنأخذ المثال التالي لتوضيح الفكرة. مثلا الذكرى هي تناول كعكة شوكولاتة صنعتها أمك؛ بعض الخلايا العصبية التي ستشارك في تكوين هذه الذكرى: خلايا مسؤولة عن حفظ شكل الكعكة. خلايا مسؤولة عن حفظ رائحتها. خلايا مسؤولة عن حفظ طعمها. كل مجموعة من الخلايا قادرة على تخزين مجموعة من المعلومات المشفرة حسب تخصصها (أشكال، روائح، معادلات مهارات، وهذا يجعل سعة ذاكرتنا كبيرة جدا.
أنواع الذكريات
قصيرة الأمد: المعلومات والصور والمهارات الجديدة، ننسى ٤٠% منها بعد ٢٠ دقيقة وفقاً لعالم النفس "هيرمن إبنكهاوس". طويلة الأمد: تترسخ بعض المعلومات والصور والمهارات التي كانت قصيرة الأمد من خلال مساعدة جزء مهم في الدماغ يدعى "الحصين". تنقسم الذاكرة الى أنواع أكثر، ولكن ما يعنينا منها هو التالي: ذاكرة صريحة تخزن معلومات وحقائق ومعادلات، وذاكرة إجرائية تخزن مهارات ومهام بدنية مثل المشي أو العزف.
كيف تصبح الذاكرة القصيرة طويلة الأمد ؟
في خمسينيات القرن الماضي أجرت العالمة "برندا ملن بحثا على مريض يُعرف باسم "هـ. م."، فأزالت "الحصين" الذي يقع في الجزء الخلفي من الدماغ، وبعد إزالته لم يستطع تكوين ذكريات جديدة، لكنه ظل يتذكر أشياء حصلت معه قبل العملية، كما أنه استطاع تعلم المهام البدنية من خلال التكرار. کشفت هذه التجربة أن "الحصين" يلعب دورا كبيرا في ترسيخ الذاكرة، لكنه ليس عبارة عن مكان في الدماغ يحتفظ بالذكريات كما أن مهمته تساعد بترسيخ الذاكرة الصريحة طويلة الأمد مثل الحقائق والمعلومات والمفاهيم مثل تلك التي تحتاج أن تتذكرها في الاختبار أكثر من الذاكرة الإجرائية المتعلقة بالمهارات.
إعادة بناء الذكريات
لنعد إلى ذكرى تناول الكعكة التي صنعتها أمك، فلو شممت بعد عدة أسابيع رائحة تشبه رائحة تلك الكعكة فما سيحدث هو أن الخلايا العصبية التي خزنت الرائحة ستطلق إشارات بنمط معين عندما تشم الرائحة مرة أخرى، ثم يبدأ الدماغ بإعادة بناء تلك الذكرى من جديد، من خلال الروابط التي ستنشط بين الخلايا. والمثير للاهتمام أن الدماغ سيعيد بناء كل الذكريات الأخرى التي شممت فيها رائحة كعكة شوكولاتة، لذلك نحن نتذكر أحيانا بعض الأحداث بشكل مشوش أو خاطئ، فنخلط أحداثاً مع بعضها أو نتصور أن حدثاً ما وقع، لكنه لم يقع.
نوم صحي.. ذاكرة أفضل
يتكون النوم من ٤،مراحل أعمقها يُعرف بنوم الموجة البطيئة، ومرحلة حركة العين السريعة، كشفت أجهزة تخطيط الدماغ أن النبضات الكهربائية في هذه المراحل التحرك بين جذع الدماغ والحصين والمهاد والقشرة. خلال مرحلة نوم الموجة البطيئة تُشفّر المعلومات في الجزء الأمامي من الحصين، وتشغل عدة مرات من خلال تواصل مستمر بين الحصين والقشرة، وهذا التشغيل المستمر للمعلومات يجعلها تترسخ أكثر في الدماغ كذاكرة طويلة الأمد. أما في مرحلة حركة العين السريعة فترسخ الذاكرة المتعلقة بالمهارات والمهام البدنية، لذلك تنصح الدراسات بالنوم بعد ٣ ساعات من الدراسة وبعد ساعة من تعلم مهارة ما.
نعمة ..النسيان إعادة ترتيب التجارب
نعمة النسيان خلقها الله لترتيب التجارب التي نمر بها أدمغتنا، فنحن ننسى بشكل طبيعي عندما تضعف في الروابط بين الخلايا مع مرور الوقت وهذا ما يسمى "النسيان السلبي"، وننسى أيضا عندما نجبر أدمغتنا على عدم تذكر أمور معينة، ولا يملك العلم إلى اليوم تفسيراً لكيفية حدوث ذلك، أما النوع الثالث من النسيان فهو يحدث أثناء النوم.
تنقية المعلومات.. فوائد النوم الصحي
من المعجزات التي خلقها الله في الدماغ أنه خلال النوم يقوم بتصفية وتنقية المعلومات والتجارب التي تعرضنا لها خلال اليوم، فيزيل المعلومات العشوائية وغير المترابطة وتلك التي مر عليها وقت طويل، مثلا لو قرأت معلومة خاطئة ثم قرأت تصحيحاً لها، فإن دماغك يحتاج للتخلص من المعلومة الخاطئ والاحتفاظ بالمعلومة الصحيحة وهذا يحدث ونحن نائمون. إذن تعلمنا أن التذكر والنسيان في الدماغ الصحي ليس عبثيا، ولا يحدث لأن مساحة ما داخله،امتلأت بل يحدث بشكل هادف يساعد الإنسان على الاستفادة من قدرات دماغه بشكل أفضل، لكن لو كان الدماغ مرهقا ومتعبا وغير صحي وينقصه النوم فإن التذكر والنسيان سيصبح عشوائيا، وحينها سوف تتداخل تجاربنا ومعلوماتنا ببعضها. يتراوح النوم الصحي للبالغين بين ٧-٨ ساعات يوميا تبدأ بعد ساعات الليل الأولى، ويكون الاستيقاظ في ساعات الصباح الأولى.
