التاريخ الأسود لكوكــاكــولا

من صيدلية صغيرة في أتلانتا عام ١٨٨٦، أطلق "جون بيمبرتون" شرابا منشطا للذهن، يغزو اليوم كل دول العالم. اسمه مزيج من "أوراق الكوكا" و"جوز الكولا"، وفي مفارقة تاريخية توثقها إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، كانت منتجه الأول يحتوي على الكوكايين، وكان يومئذ قانونيا، ثم اضطرت الشركة لتعديل الوصفة السرية وإزالته، تماشيا مع القوانين الجديدة.

وجه النجاح الآخر
بفضل منتجها انتشرت شركة "كوكاكولا" انتشارا عالميا واسعا، وعلى مدار ٢٠ سنة الماضية، تضاعفت أرباحها حتى بلغت أكثر من ١٠ مليارات دولار ربحا صافيا عام ٢٠٢٥. لكن توسعها - لا سيما في دول الجنوب - أنتج ما يسميه مؤرخون "الاستعمار الكوكاكولي"، وذلك وصف يتجاوز الهيمنة الثقافية إلى استنزاف الموارد المادية. فبسبب أعمال الشركة، ذاقت مجتمعات الجنوب العالمي واقعا قاسيا عدة سنوات، منه جفاف الآبار وارتفاع نسبة الملوحة وتلوث الموارد.

"الاستعمار الكوكاكولي"
عبارة "الاستعمار الكوكاكولي" وصف حقيقي موثق، استعمله بعض الخبراء والنشطاء، لوصف ممارسات الشركة المؤذية للشعوب، خدمةً مصانعها. بينما يتجه العالم نحو حروب المياه، نفتح اليوم ملفا تاريخيا مظلما، تكشف وثائقه سجلا حافلا باستغلال الشعوب وتدمير البيئة، وحتى الانخراط غير المباشر في العنف السياسي.

لتر ماء ≠ لتر مشروب غازي
هل فكرت قط بهذه المعادلة المؤسفة، التي تكشف هدر الماء الكامن في التصنيع. فمن أجل صناعة علبة غازية واحدة، تُستخرج كمية مياه أكبر، لزراعة قصب السكر والذرة من أجل شراب الفركتوز، وزراعة البرتقال بكميات كبيرة، ناهيك عن تنظيف الزجاجات والمعالجة والتبريد.

نفايات سامة
الفضيحة الأكثر إثارة للجدل ما كشفته شبكة "بي بي سي" عام ٢٠٠٣، من توزيع شركة "كوكاكولا" نفاياتها الصلبة على المزارعين الفقراء بولاية كيرالا الهندية، مدعية أنها سماد مفيد. وقد نفت الشركة ذلك، وقالت إن السماد آمن، لكن تحاليل مخبرية بجامعة "إكستر" أظهرت فيها مستويات خطيرة من الرصاص والكادميوم المسرطن، وقال العالم "ديفيد سانتيلو". وهو من المشرفين على التحليل، إنها محاولة من الشركة للتخلص من نفاياتها السامة بتكلفة منخفضة. وكان ثمن ذلك كارثيا على صحة السكان.

اتهامات أخرى في كولومبيا
في كولومبيا واجه الشركة أحد أخطر الملفات الحقوقية، إذ اتهمت بالتواطؤ مع قوات شبه عسكرية، لترهيب النقابات العمالية، في ما سمي حملة "كوكا القاتلة". ففي ٥ ديسمبر ١٩٩٦، قُتل النقابي "إيسيدرو سيغوندو جيل" بمصنع الشركة في اليوم المقرر لبدء مفاوضات متعلقة بحقوق العمال. وقد لجأت النقابات للقضاء الأمريكي، لكن الشركة الأم تنصلت من المسؤولية بثغرة قانونية، مدعية أن المصانع تابعة لجهات مستقلة، وليست تحت إدارتها المباشرة فشطبت الدعوى لعدم كفاية الأدلة.

تطرح أزمة شح المياه العالمية تساؤلات أخلاقية كبرى، حول أثر الصناعات الغذائية على البيئة. والتقارير التي رأينا اليوم ما هي إلا نماذج لمعاناة شعوب مهددة بالعطش، تخسر مواردها من أجل زجاجة مشروب غازي، هي جزء من رفاهية الاستهلاك العالمي.

معلمة maalama.com
تم النشر في يناير ٢٠٢٦
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة