فكرة ولدت فوق الشجرة
في عام ١٨٩٩، صعد فتى أمريكي (١٧) عاماً شجرة في مزرعة أهله، وتأمل السماء. كان اسمه روبرت غودارد. هناك، ولد حلم الوصول إلى النجوم. لم يكن في ذهنه سلاح، بل سؤال علمي: كيف يمكن لجسم أن يخترق السماء ويغادر الأرض؟
من الخيال إلى المختبر
قضى الأمريكي "غودارد" حياته يجعل حلمه علماً، فأثبت عام ١٩١٥ أن الصاروخ يعمل في الفراغ، فصار السفر للفضاء ممكنا نظريا، لأن مشكلة الصواريخ القديمة أنها كانت تعمل بالبارود، وتفتقر لكفاءة الانفلات من جاذبية الأرض. وفي ١٩٢٦، اكتشف بديل البارود (الجازولين والأكسجين)، فأطلق أول صاروخ بالوقود السائل في التاريخ، وقد طار ١٢ مترا مدة ثانيتين ونصف فقط، وسخرت منه الصحف آنذاك.
عندما تدخل السياسة المختبر
يرى الفيلسوف الفرنسي "روجيه غارودي" أن الذكاء وحده لا يكفي، وأن الكارثة تبدأ حين يركز الإنسان بكل ذكائه على كيف يصنع الشيء، ناسيا السؤال الأهم، ألا وهو: لماذا يصنعه ؟. نجح "غودارد" في جعل حلمه حقيقة، لكن غياب الغاية المضبوطة بالقيم جعلته يعرض خدماته على الجيش الأمريكي طوعا عام ١٩١٧، فأصبح حلم الوصول إلى النجوم أداة حرب.
التحول الهادئ
لم يظهر في مسيرة "غودارد" ما يثبت أنه رأى تعارضا جوهريا بين الطموح الفضائي والاستخدام العسكري للتقنية. في سياق القرن العشرين، بات التقدم التقني قيمة قائمة بذاتها، بمعزل أحياناً عن سؤال الغاية النهائية. وقد حذر "غارودي " لاحقا من خطورة استخدام الوسائل المتاحة، من غير وعي بالأهداف الكبرى التي تخدمها.
الحلم يتشظى
مات "غودارد" في أغسطس ١٩٤٥، بعد أربعة أيام من إلقاء القنبلة الذرية على اليابان. وقبل موته، فحص صواريخ "في-٢" الألمانية المصادرة، وتعرف على اختراعاته فيها، فأول صاروخ باليستي في التاريخ، صنعته ألمانيا لتدمير الأحياء في الحرب، ولم يذهب إلى النجوم ولا المريخ.