حروب الظل .. الجواسيس

لم تكن الحروب على مر التاريخ تحسم في ميادين القتال فقط، بل كان للجواسيس والعملاء دور أساسي في ترجيح كفة طرف على آخر. وفي القرن العشرين، شهد العالم أحداثا مصيرية وحروبا غير مسبوقة، رسمت خرائط الدول وشكلت التحالفات والعداوات. لكن خلف كل معركة حاسمة أو قرار سياسي مصيري، كان عميل باسم مستعار يعمل في الظل ويبعث رسائل مشفرة، تحدد اتجاه الرصاص، وموقع قصف الطائرات.

برقية واحدة دفعت أمريكا إلى الحرب
في عام ١٩١٧، إبان الحرب العالمية الأولى، اعترضت المخابرات البريطانية وفكت تشفير رسالة سرية من وزير الخارجية الألماني "آرثر زيمرمان" إلى سفيره في المكسيك، وذلك بفضل عملية أخرى عام ١٩١٤، عندما قطع عملاء بريطانيا أسلاك الاتصال الألمانية، واستولوا على كتب الشفرات السرية. كانت الرسالة تتضمن اقتراحا بالتحالف مع المكسيك واليابان ضد الولايات المتحدة، مقابل مساعدة المكسيك في استعادة أراضيها الجنوبية الغربية التي خسرتها من قبل. أشعل ذلك غضب الرأي العام الأمريكي، لا سيما بعد اعتراف "زيمرمان" بصحتها، مما أدى إلى دخول الولايات المتحدة رسميا في الحرب العالمية الأولى.

إنجما: الشفرة التي كسرت ظهر ألمانيا النازية
ظل الاعتماد على الرسائل المشفرة أساس عمل المخابرات في بداية القرن العشرين، وكانت ألمانيا تستخدم آلة "إنغما" لتشفير الرسائل، باعتماد نظام معقد يغير الحروف باستمرار. ومع تعقيدها، فقد استطاع البولنديون فك شفرتها عام ١٩٣٢، وشاركوا هذه التقنية مع الاستخبارات البريطانية والفرنسية، قبل أسابيع من اندلاع الحرب العالمية الثانية. أسهم عالم الرياضيات البريطاني "آلان تورنغ" في فك الشفرة، مما سمح للحلفاء بمعرفة تحركات الغواصات والجيوش الألمانية، وساعد ذلك في انتصار الحلفاء، وتقليص عمر الحرب العالمية الثانية بنحو عامين.

الجثة التي خدعت هتلر
تعد عملية "اللحم المفروم"، من أنجح الخدع التي نفذتها المخابرات البريطانية في الحرب العالمية الثانية. اعتمدت الخطة على استخدام جثة رجل متوفى، وإلباسه زي ضابط وهمي يُدعى "الرائد مارتن"، وتزويده بوثائق عسكرية سرية مزيفة، فيها أن الحلفاء يخططون لغزو اليونان وسردينيا بدلا من صقلية، عام ١٩٤٣. ألقي بالجثة قبالة سواحل إسبانيا، لضمان إيجادها، فانطلت الحيلة على "أدولف هتلر"، فسارع إلى سحب قواته، ونقل فرقا عسكرية ودبابات إلى اليونان، ظانا أن الهجوم الرئيسي سيكون هناك، مما سهل غزو إيطاليا وسقوط نظام موسوليني.

الجاسوس الذي منع حربا نووية
يوصف "أوليغ غورديفسكي" بأنه "الجاسوس الذي منع الحرب العالمية الثالثة" في ذروة الحرب الباردة، فقد عمل سرا لصالح بريطانيا أكثر من عقد. وقد قدم معلومات استخباراتية حاسمة في الثمانينيات منها أن موسكو تستعد لضربة نووية "خوفا من الغرب"، مما دفع الزعماء الغربيين لتهدئة النبرة وتجنب التصعيد. بعد انكشاف أمره في عام ١٩٨٥، نفذ "غورديفسكي" وكان عقيدا في الاستخبارات السوفياتية - هروبا سينمائيا من موسكو في صندوق سيارة دبلوماسية بريطانية وعاش بقية حياته في المملكة المتحدة تحت حماية مشددة.

أغلى عملية تجسس في أعماق البحر
تعد "أزوريان" من أكثر عمليات الاستخبارات المركزية الأمريكية طموحا وكلفة في الحرب الباردة، فقد هدفت لانتشال غواصة سوفياتية غارقة من قاع المحيط الهادئ. ولإخفاء النشاط عن السوفيات، بنيت سفينة ضخمة للتمويه، ونسبت ملكيتها للملياردير هوارد هيوز" لأغراض التنقيب البحري. برغم التحديات، استطاعت العملية في عام ١٩٧٤ استعادة جزء من الغواصة، مما وفر معلومات حيوية حول تقنيات الصواريخ النووية السوفياتية. وكانت قفزة نوعية في قدرات التجسس البحري والهندسة المعقدة، حتى في أعماق البحار.

الجاسوس الذي اخترق قلب دمشق
"إيلي كوهين" يهودي من أصل سوري، كان جاسوسا لإسرائيل، وقد استطاع اختراق المجتمع السياسي السوري، منتحلا اسم كامل أمين ثابت، وكان ينقل معلوماته برسائل مشفرة، أو أثناء زيارات سرية قصيرة، دون علم أهله بحقيقة نشاطه. زود الموساد الإسرائيلي بتفاصيل دقيقة عن تحصينات هضبة الجولان، وقد اكتشف أمره في مايو ١٩٦٥، وأعدم في ديسمبر من العام ذاته. لكن المعلومات الحساسة التي كشفها أسهمت في سرعة سقوط الجبهة أثناء حرب ١٩٦٧.

اغتيالات عبر القارات
أطلقت إسرائيل هذه العملية السرية، لتكون رد فعل على مقتل ١١ رياضيا إسرائيليا في عملية ميونخ، التي نفذتها منظمة "أيلول الأسود" الفلسطينية في الأولمبياد، في سبتمبر ١٩٧٢. وقد كلفت رئيسة الوزراء "غولدا مائير" الموساد بتصفية المنخرطين في مقتل الرياضيين الإسرائيليين، في عدة عواصم أوروبية وعربية، عبر سلسلة من الاغتيالات الممنهجة. استمرت العملية أكثر من عقد، وتضمنت عمليات معقدة منها "فردان" في بيروت، لكنها شهدت فضيحة مدوية في "قضية. ليلهامر" بالنرويج، حين قُتل نادل مغربي خطأ، ظنا من الموساد أنه الفلسطيني علي حسن سلامة.

معلمة maalama.com
مارس ٢٠٢٦
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة