تنتشر مخازن "إيكودار" في جنوب المغرب، لا سيما منطقة سوس ماسة بوسط البلاد، غير بعيد عن ساحل المحيط الأطلسي، وفوق التشكلات الصخرية بجبال الأطلس الصغير. تعني "إيكودار" الجدران أو المجمعات، ومفردها "أكادير"، وقد بدأ بناؤها منذ القرن ١٥، عندما بدأت القبائل الأمازيغية تتخلى عن الترحال وتعتمد الزراعة. وأحصي ٥٥٠ مبنى من هذا النوع، ما تزال هياكلها قائمة أو معروفة، بحسب وزارة الثقافة المغربية. فكيف فكر الأمازيغ في هذه "المخازن الجماعية"؟
لماذا تشبه النظام المصرفي الحديث؟
يرى باحثون أنها من أقدم أنظمة التخزين الجماعي ذات الوظيفة الاقتصادية، لأنها كانت تؤدي دور المصارف والمؤسسات المالية الحديثة. فقد استخدمتها القبائل الأمازيغية لإيداع وتخزين ممتلكات عدة، منها الحبوب والزيوت والتمور، وكذلك السجاد المنسوج والمجوهرات الفضية، والوثائق القانونية وغيرها. ولتنظيم الإيداع، كانت القبائل تعين موثقا في كل قرية، يصدر فواتير توثق كل ما يودع في هذه الخزائن.
نظام سبق عصره في الأمان والتكافل
كانت تدار بتنظيمات تعاونية تقليدية في المجتمع المحلي؛ فتسهم كل قبيلة بفائض سلعها، ليعاد توزيعه حسب احتياجات كل عائلة. وكان يُرافق الإيداع في الخزائن تبرع إلزامي من الحبوب، يُعاد توزيعه أيضا في نهاية موسم الحصاد، للحد من آثار نقص الغذاء في المجتمع. ولحماية هذا المخزون من التلف، صممت المباني بقنوات تهوية لتنظيم الحرارة، وخصصت ممرات تسمح للقطط بالتجول في المخازن، للحد من انتشار القوارض وحماية الحبوب.
"الأمين".. حارس النظام
لكل مخزن مسؤول يسمى "الأمين"، يراقبه ليلاً ونهاراً، فهو من بيده المفاتيح، ويسجل العمليات، ويراقب الدخول والخروج، وفق ضوابط متفق عليها عند القبيلة. يختار كبار القبيلة الأمين، وتناط به مسؤوليات تنظيمية متعددة، منها صيانة الأقفال وحل النزاعات، وتطبيق قوانين القبيلة التي تفرض عقوبات صارمة على السرقة أو الاحتيال.
صمام الأمان في الحروب والنزاعات
شيدت هذه المباني في مناطق مرتفعة، وبنيت بأساليب معمارية تعزز الحماية، للحد من خطر السطو وآثار النزاعات وموجات الجفاف. وقد شكلت أيضاً ملاجئ آمنة أثناء النزاعات، فزودت بخزانات مياه جوفية، ومرافق حيوية أخرى، لزيادة فرصة الصمود أزمنة النزاع أو الجفاف، أثناء الاحتماء بها.
هل يصمد تراث الأجداد؟
وفقاً للمهندسة المعمارية والأنثروبولوجية سليمة الناجي، فإن مخازن "إيكودار" تصنف ضمن التراث المهدد بالانقراض. ذلك لأن ٩٥% منها لم تعد تجد الصيانة بسبب نقص الموارد، أو ضعف اهتمام الناس. وفي عام ٢٠٢١، قدم المغرب ملفاً رسمياً لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، تحت عنوان "المخازن الجماعية: إيكودار"، في إطار مساعي إدراجها على قائمة التراث العالمي.