أسلحة جديدة ضد الحشرات
يعيش على كوكب الأرض نحو مليون فصيلة من الحشرات. فهي تعتبر أكثر الكائنات الحية أنواعاً وأجناساً، إذ تشكل وحدها ثلثي جميع أنواع الحيوان، وضعف أنواع النبات. وكما يقول أحد علماء الحشرات، فإن كوكبنا الأرض تعيش فيه أكثر من مليون مليون حشرة، ومن جميع الأنواع والفصائل والأشكال، ابتداءً من الحشرات الطائرة، مثل الذباب أو البعوض أو الفراشات، حتى الحشرات التي تفرض نفسها على المنازل وغيرها الكثير. والزراعة بصفة خاصة تدفع الثمن الباهظ. فالكثير من فصائل الحشرات تعتمد في حياتها على المزروعات، أي أنها تشارك الإنسان في أهم مصدر لغذائه. وعندما ظهرت المبيدات الحشرية، اعتقد المزارعون بأن هذا السلاح سيقضي على الحشرات المدمرة للزراعة. لكن هذا الاعتقاد لم يعش طويلاً. فالمبيدات قضت على الحشرات الضارة والحشرات المفيدة. وبما أن الغالبية من حشرات المزارع لا تسبب أضراراً، فإن القضاء عليها خلق المزيد من المشاكل للمزارعين!

فهل يعني ذلك وجود غالبية من الحشرات المفيدة التي ينبغي الحفاظ عليها؟ الدراسات الحديثة أجابت بحسم على هذا السؤال، وأثبتت أن استعمال سموم المبيدات للقضاء على الحشرات الضارة، يؤدي إلى قتل النافع والمضر، مما يؤدي حتماً إلى اختلال في التوازن بين الطرفين لمصلحة الحشرات الضارة. ذلك أن هناك مئات الأنواع من الحشرات والطيور تقوم بدور حيوي ضد الحشرات الضارة، أي أنها تشكل فرقة حربية لحراسة المزارع بلا مقابل، عن طريق اعتمادها على صيد وقتل الحشرات الضارة. وعلى سبيل المثال، فمن قديم الزمن، ظهر على الأرض طائر اسمه "أبو قردان"، كان من الطيور الوديعة التي تعيش على التهام الحشرات والديدان الضارة بالزراعة. وعندما جاءت المبيدات الحشرية أصبح هذا الطائر الصديق للفلاح ضحية لعصر المبيدات التي تقتل بطريقة عمياء لا تميز بين العدو والصديق! وإلى جانب هذا الطائر، تعرضت مئات الأنواع من الحشرات النافعة إلى المصير نفسه. من هنا اتجه العلماء نحو طريق جديد اسمه السلاح "البيولوجي"، أي الاستفادة من الحشرات النافعة، واستخدامها ضد الحشرات والآفات الضارة.

لقد توصل العلماء إلى حقائق جديدة ومفيدة، فكل حشرة تستخدم أسلحتها للدفاع عن نفسها. ومن خلال الحرب التي لا تهدأ بين الحشرات، استخلص العلماء أعظم الدروس، فالحشرات والنباتات تشتبك في حرب كيميائية لا نهاية لها. من بين الحشرات ما يستخدم أول سلاح في التاريخ لقذف اللهب، وهي حشرة اسمها "الخنفساء القاذفة". تقوم بخلط سائل يصل إلى درجة الغليان، وتطلقه عبر فوهتين عند طرف بطنها فيخرج في سلسلة من الدفعات الملتهبة. أي أن هذه الحشرة تحمل نسخة مصغرة من محرك الصاروخ، إذ أن جسمها يحتوي على معظم عناصر الصاروخ الحديث. هناك "غرفة" تحتوي على المواد القابلة للغليان، وغرفة أخرى تحمل عناصر منشطة. وعند ظهور العدو، تقوم هذه الحشرة "الصاروخية" بتوجيه السائل الذي يخرج على دفعات صغيرة. كل دفعة كفيلة بإصابة أعدائها بالحروق المميتة، وترغمها على الاستسلام، أو الموت، أو الفرار. مثل هذه الأسلحة وغيرها، أصبحت موضع دراسات دقيقة لاستخدامها ضد حشرات ضارة بالزراعة، وهناك المئات من الحشرات المفيدة للمزارعين، لكنها تموت مختنقة بسموم المبيدات، التي يستحيل عليها أن تفرق بين الحشرة أو الطائر الصديق وغيره من الأعداء! والسلاح البيولوجي - استخدام الحشرات المفيدة ضد الحشرات الضارة - قد يصبح مستقبلاً السلاح الأكثر فاعلية في حرب الإنسان ضد الحشرات الضارة، إلى جانب البحث عن مبيدات "واعية" تطلق سمومها ضد الأعداء فقط!
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة