صوت القلب.. اهتم به العلماء
كل إنسان يشعر بدقات قلبه، فالقلب ينبض حوالي مائة ألف مرة في اليوم، ومن الطبيعي الشعور بهذه النبضات. لذلك، حظي النبض باهتمام كبير من جانب الأطباء منذ أقدم العصور. وفي هذا الميدان، تبرز العبقرية العربية، بما أسهمت به من الكشف عن أسرار القلب، من خلال دراسة نبضاته. وقصة الكشف عن علاقة نبضات القلب بالصحة أو المرض لها تاريخ طويل. وكان المصريون القدماء هم أول من تعرف على النبض، واعتبروه صوت القلب الذي ينتقل منه إلى الأوعية الدموية ليحس عند الأطراف. ففي الوثائق التاريخية التي عثر عليها العلماء، والمسجلة على أوراق يطلق عليها اسم "البرديات" أو أوراق "البردي"، تبين أن الطبيب المصري كان يتحسس نبض المريض للتعرف على حالته الصحية وأحواله الجسمانية. ثم ظهر أول كشف علمي في عهد تحتمس الثالث، وهو من ملوك مصر القديمة، يتمثل في قياس سرعة النبض، لأول مرة في التاريخ، بواسطة استعمال ساعة الظل التي تقيس الوقت. بعد ذلك، انتقلت هذه الوسيلة لقياس النبض إلى اليونان، واستخدمها طبيبهم الكبير أبقراط لتشخيص الكثير من الأمراض.

ثم جاء العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، ويكون للعلم والبحث دورهما الكبير في سرعة تقدم هذه الحضارة. ويظهر أطباء العرب العظام من أمثال ابن سينا، والرازي، والطبري، وابن حنين، والزهراوي، وغيرهم ممن رفعوا شعلة التقدم الطبي عالية لأكثر من ستة قرون. ويعتبر ابن سينا الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، من أعظم عباقرة هذا الميدان. فقد اهتم بالنبض، وقدم دراسات رائعة حوله. ففي كتابه الشهير "القانون في الطب" خصص تسعة عشر فصلاً عن نبض القلب وقياسه وتغيراته، والاستعانة به في التعرف على أحوال المريض وأمراضه. وبعد ابن سينا ظهر الكثيرون من عباقرة الطب العربي، واستطاعوا تقسيم نبض القلب إلى عشرة أنواع، تتعلق بحركته وسرعته ومدى انتظامه وحالة الشرايين المتصلة بالقلب. بل إن عباقرة الأطباء العرب توصلوا إلى تحديد ثمانية وعشرين قسماً لدراسات النبض، وهي لا تخرج عن الأنواع والأقسام التي يعرفها أطباء اليوم.

ومع أن أعمال عباقرة العرب ظلت عشرات السنين تعتبر المراجع الأساسية لأطباء أوروبا، فإن الكتب الحديثة تتحدث عن مراحل تطور الدراسات الطبية المتعلقة بالقلب، دون إشارات حاسمة لأصحاب الفضل الأول.. وهم العباقرة العرب، الذين توصلوا إلى اكتشاف الدورة الدموية، قبل أوروبا بمئات السنين. وتبقى نقطة أخيرة، وهي أن القلب عبارة عن مضخة من نوع فريد، قادرة على تغذية آلاف الملايين من خلايا الجسم. وهي تبذل أثناء عملها مجهوداً هائلاً لأنها لا تتوقف عن العمل ليلاً أو نهاراً، رغم أن هذه المضخة - أي القلب - لا يزيد حجمها عن قبضة يد الإنسان. ومع صغر حجمها، فإنها تضخ مع كل نبضة حوالي ٦٠ سنتيمتراً مكعباً من الدم، أي حوالي خمسة لترات في الدقيقة الواحدة، أو سبعة آلاف لتر في اليوم، تسري في كل جزء من أجزاء الجسم، من خلال شبكة من الأوعية الدموية تصل أطوالها مجتمعة إلى حوالي ٩٦ ألف كيلومتر! لذلك، فإن الإبداع العبقري العربي في ميدان الكشف عن أسرار نبضات القلب، كان المقدمة الأساسية التي لا غنى عنها، للوصول إلى ما حققه الطب المعاصر من تطورات.
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة