نيكولاوس كوبورنيكس
إذا ما استيقظت في الصباح المبكر، تبدو لك الشمس وكأنها تبزغ من الشرق. أما في المساء فهي تختفي في الغرب. فهل تتحرك الشمس فعلاً؟ لا شك أن هذا هو ما يبدو لنا. ولقد ظل معظم الناس منذ فجر التاريخ يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض، حتى جاء عالم فلك بولندي هو نيكولاوس كوبورنيكس فأثبت أمراً يختلف عن ذلك الاعتقاد الذي ساد قروناً. وقال الناس.. "تنبع العقيدة من المشاهدة… لذلك فإن الأرض هي مركز الكون". وهكذا ظن الناس أن الأمر قد حسم. ولكن في عام ١٤٩٩ عندما بلغ كوبورنيكس عامه السادس والعشرين أصبح أستاذ الفلك بجامعة روما… كان شاباً بالغ الذكاء درس في خمس جامعات، وأصبح أهلاً ليكون مدرساً، أو محامياً، أو طبيباً. وفي دروس الفلك التي يلقيها، كان يبدأ بتدريس النظرية القديمة التي ابتدعها منجم إغريقي اسمه "بطليموس" قبل كوبورنيكس بحوالي ١٣٥٠ عاماً… تلك النظرية التي تقول "إن الكون كله يدور حول الأرض" وبالرغم من أن كوبورنيكس كان يدرس نظرية بطليموس، إلا أن عقله كان ثائراً ضده لأنه لا يتمشى مع منطقه، فهي نظرية تترك أموراً كثيرة دون تفسير… لماذا تتحرك النجوم بسرعات تختلف عن سرعة الشمس والقمر؟ لماذا تبدو بعض النجوم جائلة في السماء؟ فهل هناك خطأ ما في نظرية بطليموس؟ وإذا كانت خاطئة، فلماذا يستمر في تدريسها.

وبينما كوبورنيكس يدرس الأمر، وجد أن بعض الحكماء الذين سبقوه شكوا أيضاً في نظرية بطليموس… فقد كانوا يعتقدون أن الشمس هي مركز الكون وليست الأرض. ولكن واحداً منهم لم يستطع تقديم الدليل المقنع على ذلك. وكانت النتيجة أن تبنت الكنيسة نظرية بطليموس باعتبارها النظرية الصحيحة، كما تبناها معظم المفكرين الكبار المعاصرين لبطليموس. ولكن ماذا لو أن أولئك الآخرين هم الذين على حق؟ ألا يفسر ذلك جميع التساؤلات التي كانت تضجر كوبورنيكس؟ لذلك قرر أن يهجر التدريس وينقب في أعماق علم الفلك. وعمل قسيساً، متوقعاً أن هذا العمل سيترك له وقت فراغ يتم فيه دراسته. لكن الذي حدث أنه أصبح أكثر انشغالاً. فقد أوكل له الإشراف على كاتدرائية بقرية فراوينبرج الجبلية الصغيرة في بولندا. وكقسيس كان يقوم بالطقوس الدينية يومياً في الكنيسة، وكطبيب كان يرعى كل المرضى في دائرة أبرشيته، وكمخترع صمم خزاناً وساقية تديرها طاحونة هواء، توصل الماء إلى جميع بيوت القرية، من النهر الواقع على بعد ثلاثة كيلو مترات ونصف أسفل الجبل. كما أنجز نظاماً مالياً جديداً للحكومة البولندية. ولقد عاون الكنيسة في تتبع أيام الأعياد المقدسة بأن اخترع تقويماً بالغ الدقة. ومثل هذه الأنشطة مجتمعة لابد أن تشغل وقت معظم الناس. لكن نيكولاوس كوبورنيكس المذهل استطاع أن يجد الوسيلة لتوفير بعض من وقته يشغله في موضوعه الأثير… الفلك. إلا أن التلسكوب لم يكتشف إلا بعد وفاته بعدة سنين، فكان عليه الاعتماد على عينيه ليدرس حركات الأجرام السماوية! ففتح عدة كوى في سقف حجرة مكتبه ببرج الكاتدرائية. وبينما هو جالس هناك في الظلام كان في مقدوره مشاهدة النجوم وهي تعبر الكوى.

وكان يتتبع موقعها في السماء، ويدون السرعة التي تبدو وكأنها تتحرك بها. وكانت تسجيلات كوبورنيكس لكل ما شاهد من الدقة بمكان. ثم وضع معادلات رياضية لتفسير مشاهداته؛ وأخذ يجمع الحقائق تدريجياً… تلك الحقائق التي قدر لها أن تخرج للوجود النظرية الكوبورنيكية في الفلك، تلك التي ما زلنا نعتقد في صحتها حتى اليوم. ولقد استغرق كوبورنيكس أربعين عاماً ليتم دراساته، ويثبت خطأ النظرية البطليموسية. أما نظرية كوبورنيكس فتقول بأن الشمس هي مركز الكون، والأرض أحد الكواكب التي تدور حول الشمس. وهناك من الكواكب الأخرى غير الأرض ما يدور حول الشمس مثل عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل.

والواقع أن هذه الكواكب الخمسة تكون ما يسمى بالمجموعة الشمسية. وأهم النقاط في نظرية كوبورنيكس هي القول بأنه بينما تدور الأرض حول الشمس مرة كل عام، فإنها تدور حول محورها (وهو خط وهمي يمر خلال منتصف الأرض) وعندما يكون الجانب الذي نعيش عليه من الأرض قريباً من الشمس، يكون الوقت نهاراً. وعندما يدور بعيداً عن ضوء الشمس يحل الليل. ودورة الأرض حول محورها تتم في ٢٤ ساعة، وهو الزمن الذي يستغرقه نهار واحد وليلة واحدة (أي يوم كامل) وماذا عن القمر؟ لقد وافق كوبورنيكس بطليموس في حقيقة واحدة وهي أن القمر يدور حول الأرض.

وفي النظرية تفاصيل عديدة، لكن هذه هي الحقائق الأساسية. ولقد سمحت نظرية كوبورنيكس الكثير من الأخطاء الجسيمة التي ظلت مقبولة عدة قرون، وفتحت الطريق أمام علم الفلك الحديث. ودون كوبورنيكس اكتشافاته في كتاب، لكنه احتفظ به في درجه المغلق لعدة سنين، فقد كان يعرف أن الناس سيضحكون من أفكاره الجديدة الغريبة؛ وكان يعلم أيضاً أن الكنيسة قد وافقت رسمياً على النظرية البطليموسية القديمة. وهو كقسيس ما كان عليه أن يخالف رأي الكنيسة. ولم يقرر كوبورنيكس نشر كتابه إلا أخيراً عام ١٥٤٣ لما بلغ من الكبر عتياً وشارف الموت. ولقد سماه "دوران الأفلاك السماوية". ووصلت نسخة مطبوعة من الكتاب إلى جوار سريره قبل أن يموت بزمن وجيز جداً. ومات دون أن يدرك الخدمة الجليلة التي قدمها للعالم. والواقع أن أفكاره لم تقبل تماماً إلا بعد مضي ١٥٠ عاماً. واليوم بعد حوالي أربعة قرون من موته يعتبر واحداً من أعظم العمالقة في دنيا العلم.
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة