الإمام الشيخ محمد عبده
جاء في حديث عن زعيم الوحدة الإسلامية الثورية "جمال الدين الأفغاني" أنه كان في السبعينات من القرن التاسع عشر المعلم والموجه لفريق ممتاز من شباب الأزهر، كان ألمعهم محمد عبده وسعد زغلول. وقد سجل على لسان الأفغاني قوله في محمد عبده إنه: "أنجب تلاميذه" وإنه: "مصر أقوى من أسطول، وأعز من جيش". وعندما أُبعد الأفغاني من مصر، قال وهو ينتظر الباخرة التي تحمله منفياً: "لقد تركت لكم الشيخ محمد عبده وكفاه لمصر عالماً"! فمن يكون التلميذ العالم، الذي تجاوز عظمة أستاذه، وأحدث في الفكر الإسلامي تأثيراً أعمق من تأثيره، وأبعد مدى؟
ولد محمد عبده في قرية من قرى الغربية تدعى "محلة نصر"، في أسرة فقيرة لكنها تتصف بالعلم والتقوى. وعندما كبر أُلحق بالجامع الأحمدي بطنطا، وكان وقتها أعظم مركز للثقافة الدينية في مصر بعد الأزهر. ورغم تعثره في الدراسة في السنوات الأولى، إلا أنه عوض تخلفه في وقت قصير، وتفوق على أقرانه في التحصيل، وكان آية في الذكاء والفطنة. وبعد أن أتم دروسه في طنطا، التحق بالأزهر في القاهرة، ومكث به من سنة ١٨٦٩ حتى ١٨٧٧. وكان المنطق والفلسفة والتصوف مواده المفضلة، ومصدر سعادته القصوى. وقد التقى شيخنا الكبير بالسيد جمال الدين الأفغاني لأول مرة، والأخير في طريقه إلى الآستانة، فانبهر بعلمه، وأحب أسلوبه في التفسير، فلما عاد الأفغاني إلى مصر سنة ١٨٧١ لازمه كظله، يستمع إلى دروسه في شغف، ويعمل على نشر أفكاره وتعاليمه. وفي هذه الفترة، عني محمد عبده بدراسة الفلسفة بتأثير من الأفغاني، وبدأ يشتهر ككاتب مرموق في الشئون الاجتماعية والسياسية، من خلال مقالاته في صحيفة الأهرام.
وفي سنة ١٨٧٧ أنهى دراسته ونال شهادة "العالمية" واشتغل بالتدريس في الأزهر، ثم في "دار العلوم" التي أنشئت لتزود طلاب القضاء والتربية بثقافة عصرية. وكانت محاضراته ومقالاته تعكس أفكار الأفغاني السياسية، مما دفع الخديو توفيق إلى عزله في قريته حتى سنة ١٨٨٠ عندما عينه محرراً بالوقائع المصرية، ثم رئيساً لتحريرها. وفي خلال السنين التاليتين، انبعث الوعي القومي وازدهر، حيال ازدياد التدخل الأجنبي، وثقل الضرائب، وسطوة الحكم المطلق، وانبعثت من الوعي القومي حركة المقاومة الشعبية التي آلت زعامتها إلى ضباط الجيش بقيادة عرابي. وانتهت أحداث هذه الفترة بضرب الإسكندرية واحتلال سائر البلاد سنة ١٨٨٢، وعاد الخديو إلى الحكم، واعتقل محمد عبده، وعومل معاملة سيئة ثم نفي، فسافر إلى بيروت، ومنها إلى باريس ليلحق بالأفغاني ويساعده على تنظيم جمعيته السرية، وإصدار مجلة "العروة الوثقى" التي تخصصت في تحليل وفضح سياسة الدول الكبرى في العالم الإسلامي.
فلما توقفت "العروة الوثقى" عن الصدور، عاد محمد عبده إلى بيروت، وهناك استأنف التدريس، وألقى أهم محاضراته في علم الكلام. وكانت داره في بيروت، كما كانت في القاهرة، ملتقى العلماء والكتاب من الشباب العرب. وتوسطت له جهات أدبية وسياسية لدى الخديو، فسمح له بالعودة إلى مصر سنة ١٨٨٨. وحتى لا يُترك له مجال التأثير بمبادئه وتعاليمه في الشباب من خلال التدريس، عين قاضياً في المحاكم الأهلية، فبدأت بذلك مرحلة عمله الرسمي التي استمرت حتى وفاته. وعندما عين محمد عبده سنة ١٨٩٩ مفتياً للديار المصرية، تمكن بفضل مركزه من إصلاح النظم بالمحاكم الدينية وإدارة الأوقاف، كما تضمنت فتاويه في الشئون العامة تفسير الشريعة تفسيراً تقدمياً يتفق مع حاجات العصر. وأضيفت إلى مهامه عضوية المجلس التشريعي، وأسس الجمعيات الخيرية الإسلامية، التي كان هدفها إنشاء المدارس الخاصة في كل مكان. وفي سنة ١٨٩٥ أقنع الخديو بتأسيس مجلس إداري للأزهر، وظل أبرز أعضائه لمدة عشر سنوات، حقق للجامعة العريقة أثناءها كثيراً من الإصلاحات الهامة.
ورغم مشاغله الرسمية، فقد تعلم اللغة الفرنسية في النصف الثاني من حياته، وطالع الفكر الأوربي المعاصر على نطاق واسع، وعقد صلات مع كثير من المفكرين الأوربيين. وكان حريصاً على السفر إلى الخارج كلما سمحت ظروفه. وأشهر مؤلفات محمد عبده "رسالة التوحيد"، وهي مجموعة بحوث موسعة في علم الكلام، كما كتب تفاسير رائعة لأجزاء عدة من القرآن الكريم. وكانت وفاة محمد عبده سنة ١٩٠٥ نهاية حياة حافلة لمفكر عظيم، قضاها كلها باحثاً عن حل لقضية تخلف الأمة الإسلامية، ملتمساً السبيل إلى البعث الثقافي، داعياً إلى اقتباس العلوم الحديثة دون التخلي عن العقيدة، فإن الإسلام دين ومدنية، ويبقى تأويل الشريعة وفقاً لمتطلبات العصر.
ولد محمد عبده في قرية من قرى الغربية تدعى "محلة نصر"، في أسرة فقيرة لكنها تتصف بالعلم والتقوى. وعندما كبر أُلحق بالجامع الأحمدي بطنطا، وكان وقتها أعظم مركز للثقافة الدينية في مصر بعد الأزهر. ورغم تعثره في الدراسة في السنوات الأولى، إلا أنه عوض تخلفه في وقت قصير، وتفوق على أقرانه في التحصيل، وكان آية في الذكاء والفطنة. وبعد أن أتم دروسه في طنطا، التحق بالأزهر في القاهرة، ومكث به من سنة ١٨٦٩ حتى ١٨٧٧. وكان المنطق والفلسفة والتصوف مواده المفضلة، ومصدر سعادته القصوى. وقد التقى شيخنا الكبير بالسيد جمال الدين الأفغاني لأول مرة، والأخير في طريقه إلى الآستانة، فانبهر بعلمه، وأحب أسلوبه في التفسير، فلما عاد الأفغاني إلى مصر سنة ١٨٧١ لازمه كظله، يستمع إلى دروسه في شغف، ويعمل على نشر أفكاره وتعاليمه. وفي هذه الفترة، عني محمد عبده بدراسة الفلسفة بتأثير من الأفغاني، وبدأ يشتهر ككاتب مرموق في الشئون الاجتماعية والسياسية، من خلال مقالاته في صحيفة الأهرام.
وفي سنة ١٨٧٧ أنهى دراسته ونال شهادة "العالمية" واشتغل بالتدريس في الأزهر، ثم في "دار العلوم" التي أنشئت لتزود طلاب القضاء والتربية بثقافة عصرية. وكانت محاضراته ومقالاته تعكس أفكار الأفغاني السياسية، مما دفع الخديو توفيق إلى عزله في قريته حتى سنة ١٨٨٠ عندما عينه محرراً بالوقائع المصرية، ثم رئيساً لتحريرها. وفي خلال السنين التاليتين، انبعث الوعي القومي وازدهر، حيال ازدياد التدخل الأجنبي، وثقل الضرائب، وسطوة الحكم المطلق، وانبعثت من الوعي القومي حركة المقاومة الشعبية التي آلت زعامتها إلى ضباط الجيش بقيادة عرابي. وانتهت أحداث هذه الفترة بضرب الإسكندرية واحتلال سائر البلاد سنة ١٨٨٢، وعاد الخديو إلى الحكم، واعتقل محمد عبده، وعومل معاملة سيئة ثم نفي، فسافر إلى بيروت، ومنها إلى باريس ليلحق بالأفغاني ويساعده على تنظيم جمعيته السرية، وإصدار مجلة "العروة الوثقى" التي تخصصت في تحليل وفضح سياسة الدول الكبرى في العالم الإسلامي.
فلما توقفت "العروة الوثقى" عن الصدور، عاد محمد عبده إلى بيروت، وهناك استأنف التدريس، وألقى أهم محاضراته في علم الكلام. وكانت داره في بيروت، كما كانت في القاهرة، ملتقى العلماء والكتاب من الشباب العرب. وتوسطت له جهات أدبية وسياسية لدى الخديو، فسمح له بالعودة إلى مصر سنة ١٨٨٨. وحتى لا يُترك له مجال التأثير بمبادئه وتعاليمه في الشباب من خلال التدريس، عين قاضياً في المحاكم الأهلية، فبدأت بذلك مرحلة عمله الرسمي التي استمرت حتى وفاته. وعندما عين محمد عبده سنة ١٨٩٩ مفتياً للديار المصرية، تمكن بفضل مركزه من إصلاح النظم بالمحاكم الدينية وإدارة الأوقاف، كما تضمنت فتاويه في الشئون العامة تفسير الشريعة تفسيراً تقدمياً يتفق مع حاجات العصر. وأضيفت إلى مهامه عضوية المجلس التشريعي، وأسس الجمعيات الخيرية الإسلامية، التي كان هدفها إنشاء المدارس الخاصة في كل مكان. وفي سنة ١٨٩٥ أقنع الخديو بتأسيس مجلس إداري للأزهر، وظل أبرز أعضائه لمدة عشر سنوات، حقق للجامعة العريقة أثناءها كثيراً من الإصلاحات الهامة.
ورغم مشاغله الرسمية، فقد تعلم اللغة الفرنسية في النصف الثاني من حياته، وطالع الفكر الأوربي المعاصر على نطاق واسع، وعقد صلات مع كثير من المفكرين الأوربيين. وكان حريصاً على السفر إلى الخارج كلما سمحت ظروفه. وأشهر مؤلفات محمد عبده "رسالة التوحيد"، وهي مجموعة بحوث موسعة في علم الكلام، كما كتب تفاسير رائعة لأجزاء عدة من القرآن الكريم. وكانت وفاة محمد عبده سنة ١٩٠٥ نهاية حياة حافلة لمفكر عظيم، قضاها كلها باحثاً عن حل لقضية تخلف الأمة الإسلامية، ملتمساً السبيل إلى البعث الثقافي، داعياً إلى اقتباس العلوم الحديثة دون التخلي عن العقيدة، فإن الإسلام دين ومدنية، ويبقى تأويل الشريعة وفقاً لمتطلبات العصر.
معلمة maalama.com