أقزام الكونغو
في الغابات الاستوائية الكثيفة في حوض نهر الكونغو يعيش شعب عجيب من الأقزام، هو دون شك أقصر شعوب العالم قامة، وأنحفها جسماً، فأطول من هؤلاء الأقزام هم الذين يصل طولهم إلى ١٣٥ سنتيمتراً، كما أن حياتهم بدورها قصيرة الأجل، إذ تدب إليهم الشيخوخة ولما يبلغوا الأربعين. وهم يعيشون في أشد الأجواء قسوة، حيث لا يكاد المطر ينقطع يوماً واحداً، وحيث تبلغ درجة الحرارة ٨٠ فهرنهايت (٢٧ درجة مئوية)، مما ينشأ عنه جو رطب مشبع بالبخار الخانق، لا يطيقه حتى أولئك السود أصحاب الثغور المكتنزة المجهدة. والمعلومات المعروفة عن حياة هؤلاء الأقزام قليلة، فإن أشد المستكشفين جسارة يحجمون عن ارتياد هذه المنطقة بسبب جوها الفظيع الذي لا يحتمل.

ويقيم هؤلاء الأقزام في أشد مناطق الغابة المطيرة كثافة، وأكثرها توغلاً في البعد عن المسالك المطروقة. وأرضهم حافلة بأشجار ضخمة عملاقة، تعلو غصونها الكروم والنباتات المتشابكة المتسلقة، فتتشابك وتتداخل ويلتوي بعضها فوق بعض، حتى لتبدو أشبه بمظلة كثيفة فوق الأشجار، تصد ضوء الشمس وتكاد تحجب النور في وقت الظهيرة والشمس تتوسط كبد السماء بوهجها الذي يتلظى سعيراً. وإذا ما تهيأ لضوء الشمس أن يتسرب من فجوات الأغصان المتشابكة، كشف للأبصار حياة عجيبة تقوم في هذه المنطقة المعتمة، التي تكاد تبدو مظلمة في وضح النهار. فثمة نباتات كثيرة تنمو من تلقاء نفسها، دون أن ينثر أحد بذورها، وثمة حشرات مختلفة ترسل صريرها الحاد، وطيور تصيح بلا توقف. وساكنو هذه المنطقة ضئيلو الأجسام، شأن الأزهار التي تحرم من الضوء فتنمو صغيرة الحجم. وهذه الجماعة من الأقزام تتصف بالجبن والخوف، وأغلب الظن أن مرد ذلك إلى المعاملة السيئة التي كانوا يلقونها فيما سلف من الأزمان من جيرانهم طوال القامة، من الشعوب الزنجية، أبناء قبيلة "بانتو" التي تقطن أفريقيا الاستوائية والجنوبية.

ولهذه الجماعة من الأقزام في الوقت الحاضر تجارة محدودة مع قبيلة "بانتو"، فهم يقايضونها على العاج وجلود القرود، مقابل المدى والبلط والذرة والملح والموز، ثم الفحم أحياناً. ولكن جبنهم المأثور الذي توارثوه لا يزال آخذاً من نفوسهم مأخذه، فهم يتوجسون من مقابلة أبناء قبيلة بانتو، ولذلك يحملون سلعهم إلى حدود الغابة وأطرافها، فيتركونها هناك، ويتوارون في قلب الأحراش حذرين خائفين، ثم يعودون بعد يوم أو يومين، ليحملوا ما تركه لهم تجار قبيلة بانتو. وهم مهرة في القنص، وذوو خبرة في تقصي الآثار، وعلى دراية كبيرة بمسالك الغابة المتشابكة، ولهم قدرة عجيبة على السير في دروبها متلصصين في حذر كالقطط، لا تسمع لأقدامهم وقعاً. وأسلحة الصيد التي يستعملونها هي الرماح والحراب، ولكن أخطر سلاح لديهم هو قوس قصير يستعملونه ببراعة وسرعة فائقة. ومعظم الحيوانات في هذه المنطقة هي بالضرورة من الأنواع المتسلقة، كما أن بها أسراباً من القرود والثعابين والسحالي، فضلاً عن الطيور طبعاً. وإذا ما اكتشف القزم شيئاً منها فإن مصيرها محتوم إذ يقضي عليها بالهلاك، وذلك أنهم يغمسون نصال سهامهم في سم قاتل يأخذونه من عصير نبات معين معروف لهم. وسهام هؤلاء الأقزام لا تصنع من المعدن، وإنما من عصي ذات أطراف حادة، يحف بها ورق الشجر بدلاً من الريش لكي يسهل لها المروق في الهواء. والحيوانات الصغيرة لا تتحمل مفعول السم طويلاً، إذ لا تلبث أن تموت. أما الحيوانات الكبيرة الحجم، فتقاوم أثر السم فترة طويلة من الوقت، وذلك قبل أن تتهاوى على الأرض، وتكون عندئذ قد فرت إلى مسافات كبيرة، ولكن الأقزام ينطلقون في أعقابها، ويقتفون أثرها ثم يعرفون بها بعد أن تنفق وتموت.

وبهذه الطريقة يستطيع الأقزام أن يصيدوا القرود والفهود، وأحياناً الغوريلا. أما الفيل وهو من الحيوانات الضخمة التي تقطن هذه المنطقة، فأمره يسير ومناله أشق وأصعب، ولهذا يصيدونه بأن يحفروا في طريقه حفرة كبيرة يسترونها بالأغصان، حتى إذا مشى فوقها سقط في داخلها، فيهرعون إليه جميعاً، ويتكالبون على قتله. ثم يعملون على تقطيعه إلى أجزاء صغيرة يحملونها إلى قريتهم، أو يبقونه مكانه وينتقلون هم للإقامة بجواره لكي يقتاتوا على لحمه. وصيد الفيل عندهم بمثابة فرصة سانحة لإقامة مهرجان كبير، يرقصون فيه وينشدون ويسرفون في الطعام والشراب، حتى إذا أتوا على لحمه خلال أيام، انتقلوا إلى مكان آخر يطيب لهم فيه الصيد والقنص. وانتقال قبيلة الأقزام من مكان إلى آخر لا يخلق لهم مشكلة شاقة، وذلك أن متاعهم لا يتعدى سلاحهم والأواني التي يطهون فيها الطعام. أما أكواخهم التي يقيمون فيها فليست أكثر من عصي لينة كالخيزران، تدق أطرافها في الأرض ثم تثنى رؤوسها وتشد بعضها إلى بعض بالكروم، وبعد ذلك تغطى بأوراق الشجر لكي تصد مياه الأمطار عن التسرب إلى داخل الكوخ. والرجال هم الذين يتولون الصيد والقنص وصنع الأقواس والسهام، أما تشييد الأكواخ فمن شأن النساء، كما يقمن بجميع الأعمال اليدوية في القرية، فضلاً عن جمع الطعام، وارتياد الغابة بحثاً عن الفواكه والتوت والحبوب. والأقزام مولعون بعسل النحل، فإذا ما عثروا على خلية انتهبوها كما هي بما فيها من عسل ونحل، دون أن يبدو عليهم أن لسعات النحل قد آذتهم.

ومن الملاحظ أن بجميع الأقزام كروشاً بارزة متدلية، لفرط إسرافهم في الطعام. أما لباسهم فلا يكاد يذكر، فالرجال من الأقزام يتمنطقون بحزام، تتدلى منه قطعة من الجلد تستر عورتهم، أما النساء فيسترن عوراتهن بأوراق الشجر. والأقزام لا يعرفون الوشم، ولا يدهنون أجسادهم بالطلاء، ومن عادتهم أن يبردوا أسنانهم لتصبح حادة ماضية. ويبدو أن الأقزام لا يعرفون الموسيقى ولا يفقهون شيئاً عن الفن. وهم يمارسون الرقص على أنغام بدائية، خالية من الإيقاع الذي تعرفه القبائل الزنجية الأخرى. أما ديانتهم فمقصورة على الاعتقاد بأن هناك رباً للغابة، تحت إمرته العديد من الأرواح التي تعاونه في مهمته. ولذلك يقدمون إلى الإله ومعاونيه هدايا من الطعام، يتركونها في مواضع معينة من الغابة، لتكون بمثابة قربان، استجلاباً لرضاء الإله والأرواح. وهم يعيشون في عزلة تامة لا يبرحون الغابة، وإن كان نفر قليل منهم يتردد من حين لآخر على مواطن قبيلة بانتو، أما الأغلبية العظمى منهم فلا تزال لائذة بأحراشها، إذ أن معظمهم يركبه الخوف من الاختلاط بالآخرين.
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة