عملية الفص الجبهي وتاريخها
في عام ١٩٣٥، قدّم عالم الأعصاب جون فالتون دراسة أظهرت أن إزالة الفصوص الأمامية من دماغ بعض القرود أدت إلى اختفاء مشاعر القلق والتوتر لديها، وقد أثارت هذه النتائج اهتمام الطبيب البرتغالي إيغاس مونيز، الذي رأى أن تطبيق فكرة مشابهة على البشر قد يساعد في علاج الأمراض النفسية، مما أدى إلى ظهور واحدة من أكثر الإجراءات الطبية إثارة للجدل، وهي عملية الفص الجبهي.

وكان مونيز يعتقد أن بعض الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب والوسواس القهري، تنتج عن أفكار سلبية عالقة في الروابط العصبية بين أجزاء الدماغ، خاصة بين المهاد والفص الجبهي، واقترح أن قطع هذه الروابط قد يخفف الأعراض، فابتكر عملية تعتمد على إحداث فتحة في الجمجمة وقطع الألياف العصبية في الدماغ، وقد أجرى هذه العملية على عدد من المرضى، وأعلن أن نتائجها كانت إيجابية لدى نسبة كبيرة منهم.

ورغم الجدل الذي أثارته الفكرة، لاقت العملية قبولاً واسعاً في ذلك الوقت، خاصة في ظل محدودية وسائل علاج الأمراض النفسية، كما حصل مونيز على جائزة نوبل، وانتشرت العملية بشكل أكبر في الولايات المتحدة بفضل أطباء آخرين، حيث اعتُبرت وسيلة لتهدئة المرضى وإدماجهم في المجتمع.

لكن مع مرور الوقت، ظهرت مشكلات كبيرة، إذ كانت نتائج العملية غير متوقعة، وتسببّت في آثار جانبية خطيرة مثل تغيرات حادة في الشخصية وضعف القدرات العقلية، وفي بعض الحالات أدت إلى إعاقات دائمة، كما أن بعض من خضعوا لها لم يكونوا يعانون أصلاً من أمراض نفسية تستدعي هذا التدخل.

وفي عام ١٩٤٥، تم تطوير نسخة أبسط من العملية تُعرف بالفص الجبهي عبر محجر العين، حيث تُجرى باستخدام أداة تُدخل عبر تجويف العين، وكان يمكن تنفيذها بسرعة ودون الحاجة إلى فريق جراحي متخصص، مما أدى إلى انتشارها بشكل أكبر رغم الانتقادات، قبل أن تتراجع تدريجياً في خمسينيات القرن العشرين مع ظهور أدوية مهدئة أكثر أماناً.

وفي النهاية، أصبحت هذه العملية مثالاً على المخاطر التي قد ترافق التقدم العلمي عندما يغيب التقييم الأخلاقي الدقيق، إذ تُعد اليوم تذكيراً بضرورة الالتزام بالمعايير الطبية والإنسانية في تطوير العلاجات.
معلمة maalama.com
X    facebook    whatsapp

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة