ويليام هارفي
لعله من الأمور المسلم بها اليوم أن الدم يمر خلال أجسامنا عن طريق قنوات محددة، هي الأوردة والشرايين، وأن القلب عضو عضلي يساعد على استمرار هذه الدورة بعمله كمضخة. ومع ذلك فليس من السهل إظهار عمل هذه الدورة، لأنها تستمر ما دام الإنسان أو الحيوان حياً. ولم يتم وصفها وشرحها بوضوح إلا في أوائل القرن السابع عشر، وذلك على يد الطبيب الإنجليزي وليام هارفي، الذي تعتبر اكتشافاته الأساس الذي قامت عليه جميع المعلومات اللاحقة عن الجهاز الدموي للقلب.

ولد هارفي في عام ١٥٧٨ في بلدة فولكستون، وتلقى تعليمه في كلية كايوس بجامعة كمبريدج، ثم ذهب إلى بادوا لدراسة الطب، وما زال شعاره معروضاً في قاعة مدخل جامعة بادوا تكريماً لواحد من أعظم طلاب هذا المعهد. وفي عام ١٦٠٧ قبل في الكلية الملكية للأطباء بلندن، وبعد عامين عين في وظيفة طبيب بمستشفى سانت بارتلوميو في لندن كذلك.

وفي عام ١٦١٦ بدأ في إلقاء مجموعة من المحاضرات عبر فيها أولاً عن آرائه في حركات القلب وحركات الدم في القلب والأوردة والشرايين، ولكنه لم ينشر العمل الذي كان سبباً في شهرته إلا في عام ١٦٢٨، وكان المؤلف مكتوباً باللاتينية بعنوان بحث تشريحي حول حركة القلب والدم في الحيوان.

وكان هارفي يتمتع بطاقة ومقدرة كبيرتين، وكان أعظم أطباء عصره. وقد عين بأمر ملكي طبيباً لملكين إنجليزيين هما جيمس الأول وتشارلز الأول، وكان الأميران في رعايته في معركة إدجهيل عام ١٦٤٢. وقرب نهاية حياته، في عام ١٦٥١، نشر عملاً آخر يشمل دراسات في التكاثر في الحيوان. وعلى الرغم من أن هذا العمل أطول من البحث الخاص بالدورة الدموية، إلا أنه لا يعد في أهمية هذا الأخير من ناحية المادة التي أضافها إلى العلم، هذا برغم أنه سجل قدراً كبيراً من الملاحظات المفصلة. وقد توفي هارفي في عام ١٦٥٧.

كانت الأفكار حول حركة الدم في الجسم الحي مبهمة إلى حد كبير حتى القرن السادس عشر، إذ كان معروفاً أن الدم ليس راكداً، ولكن كان الاعتقاد السائد أنه ينحسر ويتدفق في الأوردة والشرايين دون أن يتخذ اتجاهاً معيناً. وكانت النظريات السائدة قائمة على نظريات الطبيب الإغريقي جالين، الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد. وقد تحقق بعض التقدم قبل عصر هارفي بقليل، وخاصة في إيطاليا.

وقد أشار أستاذه فابريكيوس إلى وجود صمامات في الأوردة، مما قد يدل على أن الدم لا بد أن يتدفق في اتجاه واحد. وكان من الأمور المعترف بها كذلك أن الدم لا بد أن يسير في الجسم، ولكن كان من نصيب هارفي أن يقدم التفسير الكامل للطريقة التي يسير بها الدم.

ولن نستطيع فهم عمل هارفي ما لم نلق نظرة قصيرة على تشريح قلب الإنسان وغيره من الثدييات، وهو بسيط في أساسياته، فالقلب مقسم إلى أربعة تجاويف هي الأذين الأيمن والأيسر، والبطين الأيمن والأيسر. والبطين غليظ الجدران وعضلي، ويتصل كل بطين بالأذين المقابل له عن طريق فتحة، ولكن جداراً أو حاجزاً يفصل ما بين البطين والآخر، كما أن كل أذين منفصل عن زميله بنفس الطريقة. ويدخل الدم إلى الأذين عن طريق الأوردة، ويضخ خارج الأذين عن طريق الشرايين.

دعنا نتتبع عينة صغيرة من الدم دخلت تواً إلى الأذين الأيمن بعد أن مرت بالجسم: إنها تمر من خلال الفتحة إلى البطين الأيمن، الذي ينقبض ويدفعها خلال شريان إلى الرئتين، وهناك تحصل على الأوكسجين، وتعود عن طريق وريد إلى الأذين الأيسر، ومنه تمر إلى البطين الأيسر حيث تضخ داخل شريان كبير، ومنه تمر إلى الجسم. وبعد أن تفقد ما بها من أوكسجين تعود إلى الأذين الأيمن لتعيد الدورة من جديد.

وكانت هذه طريقة العمل التي قدمها هارفي في بحثه، أو كانت وقتها شيئاً جديداً تماماً بالنسبة لعلوم الطب والتشريح. وفي أبحاثه حول هذا الموضوع قام هارفي بتشريح عدد كبير من الحيوانات الميتة والحية مثل الكلاب والخنازير، بل إنه فعل ذلك مع بعض الحيوانات البحرية مثل جراد البحر وسمك الأربيان والبزاقة، وغني عن البيان أنه قام بالتشريح البشري كذلك.

وكان عمله غير مكتمل من ناحية واحدة، إذ فشل في الكشف عن الطريقة التي ينقل بها الدم في الجسم من الجهاز الشرياني عائداً إلى الجهاز الوريدي. وكان الفضل لعالم التشريح الإيطالي مالبيجي في توضيح هذه النقطة حينما اكتشف الأوعية الدموية الشعرية بعد أربع سنين فقط من موت هارفي.
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة