عجينة مسطحة فوقها صلصة حمراء سحرية، منثور عليها ما لذ وطاب من الخضروات، ويزداد سحرها مع الجبن الذي ينسج خيوط المتراخية، ثم تُخبز في أفران لتقدم الى الملايين من عشاق الوجبات السريعة .. إنها البيتزا، واحدة من أشهر أنواع الطعام على كوكب الأرض، والتي يستهلك منها الأمريكيون ٣ مليارات شريحة سنوياً، وينفقون عليها أكثر من ٤٦ مليار دولار، لكن خلف هذا الاستهلاك الرهيب معارك سوقية بين أكبر شركتين: "بيتزا هت" و "دومينوز بيتزا".
أربعة يطلقون أولى جولات المعركة
كانت أول فكرة لتقديم البيتزا على يد أربعة أمريكيين كل اثنين منهم أخوان، وقدموها عبر معركة دارت بينهم بهدف الهيمنة على سوقها، وما ساعدهم أن الاقتصاد انتعش وتوسعت الطبقة المتوسطة التي كانت تقضي وقتاً أكبر في خارج البيت، وأصبح الناس يتنقلون لفترات طويلة بالسيارات، فولّد ذلك رغبة في تناول الأطعمة السريعة. وعلى الرغم من أن الرجلين لم يقدما طعاماً إيطالياً، فإن "دومينوز" و "بيتزا هت" ساهما في انتشار البيتزا والوعي بها داخل الولايات المتحدة أكثر من المطاعم الإيطالية نفسها.
بيتزا هت .. البداية
بدأ الأخوان "دان وفرانك كارني" من الصفر، فاقترضا من والدتهما ٦٠٠ دولار واستأجرا حانة صغيرة متهدمة، وانطلقا فيها لمنافسة عمالقة المجال أمثال ماكدونالدز وكنتاكي، وافتتحا المتجر خلال أسبوعين دون أن يكون لهما أدنى فكرة عن كيفية صنعها، فاخترعا عجينة خاصة بهما تشبه الخبز الفرنسي، ووضعا المكونات عليها وخبزاها، وكان ذلك ضرباً من الجنون لكنهما ابتكرا شيئاً ونجح.
بيتزا الطبقة المتوسطة
اقتنص الأخوان دان وفرانك الفرصة غير المسبوقة في إطعام الطبقة الوسطى ليتربعا فيما بعد على عرش إمبراطورية قيمتها ٨.٥ مليارات دولار، وقبل يومين من افتتاح المطعم عام ١٩٥٨ لم يكن لديهما الميزانية لاختيار الاسم فقررا استخدام لوحة إعلانات مجانية من كوكاكولا، لكنها كانت تتسع لثمانية أحرف فقط، ولذا قررا تسميتها "بيتزا هت"، وخلال أربعة أشهر أصبح الأمريكيون يتدافعون للحصول على وجبات سريعة مشبعة للعائلة كلها.
انتشار مجنون
بعد سبعة أشهر من انطلاق المطعم قرر الأخوان افتتاح ٥ فروع أخرى بطريقة منح الامتياز، ولتسريع النمو خفّضا رسومه الى ٤٥٠٠ دولار للحصول على تدفق نقدي، فتوسع المشروع بحلول ١٩٦٣ خارج ولاية كنساس الى شرق المسيسبي، وأصبح لديهما ٤٢ فرعاً، وغدت أكبر سلسلة بيتزا في أمريكا، وفي نهاية ستينيات القرن الماضي صار عدد فروعها ٣٠٠ تخدم مليون زبون سنوياً، وحتى يومنا هذا انتشرت "بيتزا هت" في أصقاع الدنيا بـ٨ آلاف فرع، ولمواكبة التقدم السريع قدّم الأخوان كارني نمطاً جديداً لتوزيع المكونات على الفروع، إذ كان يوجد مخزن تموين رئيسي يجمّدان فيه المكونات ويوزعانها على الأفرع لضمان تقديم المنتج نفسه.
دومينوز .. البداية
على بعد ١٣٠٠ كيلومتر من "ويتشتا" التي انطلق منها الأخوان كارني، كان هناك طالبان جامعيان يتيمان يكافحان لدفع رسم جامعتهما يدعيان "توم وجيم موناهان"، اقترض توم ٩٠٠ دولار لشراء محل شطائر معرّض للإفلاس كان اسمه "دومينكس" على اسم مؤسسة "دومينكس ديبارتي"، واحتوت القائمة الرئيسية للطعام على الشطائر والأطباق الإيطالية، بما فيها خمسة أحجام من البيتزا التي لم يكن لديهما أي فكرة عن طريقة إعدادها، ليصبح مطعمهما لاحقاً من أشهر المطاعم على الكوكب، وبفضل ابتكارات جريئة تحول الى إمبراطورية بقيمة ١٥ مليار دولار.
مبتكرو خدمة التوصيل
أصبح دكان الشطائر مكتظاً ولم يكن لديهما القدرة على وضع المزيد من الطاولات في مكان لا تزيد مساحته عن ٤٦ متراً مربعاً، لكن توم لم يرفض أي طلب، فأصبح اكتظاظ المطعم ميزة، وليتخلص الأخوان من مشكلة الطوابير ابتكرا فكرة إيصال الطعام الى بيوت الزبائن، وحوّل توم سيارته الفولكس فاغن المتهالكة لأول سيارة توصيل، وعلى الرغم من النجاح الإستراتيجي فإن الأخوين صارا يواجهان صعوبة بالغة في مواكبة الطلبات، فكلما زادت قائمة الطعام زادت الأخطاء، ومع زيادة الضغط قرر توم تقديم البيتزا وحدها وبحجمين فقط.
استهداف سكنات الطلاب
على الرغم من انفصال الأخوين في شراكتهما فإن عمل تحسن كما لم يحدث من قبل، وأدرك أنه بقائمة الطعام الصغيرة يمكن تحضير الكثير من خياراتها، بالمكونات نفسها وبسرعة كبيرة، فقرر توم أن تصل البيتزا الخاصة به الى جميع أنحاء البلاد، وقد كانت له إستراتيجية عبقرية واستهدف فئة سكانية معينة وهم طلاب الجامعات، ثم أوجد شعاراً جديداً للشركة من ثلاث نقاط تمثل فروعه الثلاثة الأولى، وعدّل الإسم الى "دومينوز" الذي سيوصل مستقبلاً ١.٥ مليون بيتزا يومياً، وابتكر أيضاً فكرة الكرتون المموج لضمان وصول البيتزا بسلام.
احتدام المعركة
لتوسيع مشروعه اقترض ٤٠٠ ألف دولار وكان يدرك أنه لو تخلف عن السداد فإنه سينتهي أمره فاستغل خصمه "بيتزا هت" الوضع وعرض الأخوان كارني شراء حصة أساسية في دومينوز لكن توم رفض، وفي منتصف السبعينيات غرق بالديون، ومع حلول عام ١٩٧٥ كانت نقطة التحول، إذ قدّم موناهان للزبائن ضماناً غير مسبوق، ووعد بالتوصيل خلال نصف ساعة أو ستكون البيتزا مجانية وقد حقق بذلك نجاحاً ضخماً، وتغير مسار الشركة كلها، والسبب هو توصيلها بأقل من منافسه بـ٢٠ دقيقة.
