أشوايا مدينة نهاية العالم
أشوايا مدينة تقع في أقصى بقاع الأرض وتعد بوابة القارة القطبية الجنوبية، ولدت من رحم سجن سيئ السمعة ساهم نزلاؤه في بنائها على ضفاف قناة بيغل ومحاطة بجبال الأنديز، وأصبحت اليوم وجهة سياحية عالمية بارزة، لكن خلف جمالها البارد تختبئ قصة طويلة، إذ بدأ الوجود البشري فيها منذ آلاف السنين مع قبائل السليكنام واليامانا وهم السكان الأصليون لأرض النار أو أرخبيل تييرا ديل فويغو، وفي القرن التاسع عشر ومع قدوم الأوروبيين بدأ الاستيطان المنظم بدوافع سياسية وعسكرية وخوفاً من الأطماع البريطانية في الجنوب، فقررت الأرجنتين تثبيت وجودها هناك عقب معاهدة مع تشيلي قسمت المنطقة بين البلدين، وذلك عبر إنشاء مستعمرة عقابية في ذلك المكان المعزول، فتم إنشاء سجن أشوايا الوطني عام ١٩٠٢ للمدانين بالجرائم بهدف الحفاظ على وجود دائم لسكان الأرجنتين في أقصى جنوب القارة والسيطرة على الأراضي كدفاع رمزي ضد الطموحات البريطانية، وفي ثلاثينيات القرن العشرين وصل ما يعرف بالسجناء السياسيين مع أخطر المجرمين لقضاء عقوبتهم في أشوايا، وأصبح هؤلاء جزءاً من بناء المدينة نفسها إذ شيدوا المنازل وزودوا المدينة بالحطب والخبز والكهرباء، كما بنوا الطرقات وخطوط السكك الحديدية بأيديهم تحت ظروف مناخية قاسية وبإشراف عسكري صارم كأداة لإعادة التأهيل، لكن ظروف الاحتجاز كانت قاسية والانتهاكات متكررة فتوفي عدد غير معلوم منهم بسبب البرد أو الإهمال أو التعذيب، ومع تصاعد الشكاوى والضغوط الإعلامية أعلن الرئيس خوان بيرون إغلاق السجن نهائياً عام ١٩٤٧ واستخدم المبنى لاحقاً للبحرية، ثم بدأت أشوايا تنمو كمدينة ولعبت دوراً استراتيجياً خلال الحرب العالمية الثانية نظراً لقربها من قناة بيغل، وفي عام ١٩٩٧ تحول مبنى السجن إلى متحف، ومع مرور العقود أصبحت المدينة بفضل موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية وجهة سياحية تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ومع ذلك لا يزال تاريخها حاضراً حيث تتردد أصداء المستكشفين وحكايات السكان الأصليين وتبقى قصص العزل والعمل القسري جزءاً من ذاكرة مدينة نهاية العالم.
معلمة maalama.com