عباس بن فرناس.. ظلمه المؤرخون!
في تاريخنا العربي الإسلامي، عباقرة لا نعرف عنهم الكثير، ومنهم من تجاهله المؤرخون، بل وسخروا من بعض تجاربهم. من بين هؤلاء العباقرة، العالم الأندلسي العربي عباس بن فرناس. من أبرز ابتكارات هذا العالم العظيم، القبة الفلكية. ففي عدد من دول العالم، توجد أماكن مشهورة بداخلها مدرجات واسعة مخصصة للزوار يجلسون فوقها، ثم تنطفئ الأنوار، وتظهر قبة تشبه السماء الحقيقية تنتشر فيها النجوم والكواكب والأقمار بنفس مكانها في السماء. ثم يقوم أحد الخبراء بالتعليق على ما يشاهده الزوار، ويشرح كل كبيرة أو صغيرة في هذه القبة الفلكية، ليكتسب المشاهدون ثقافة فلكية تساعدهم على تفسير حركات الكواكب ومواقع النجوم في السماء. والمؤسف أن يختفي من كتب تاريخ العلوم اسم المبتكر الأول للقبة الفلكية، وهو العالم العربي عباس بن فرناس.

لقد صنع هذا العبقري في بيته القبة الفلكية. كل من كان يشاهدها من أبناء عصره، يشعر وكأنها سماء حقيقية بنجومها وكواكبها، بل وغيومها وبروقها ورعودها، أي أنها كانت أكثر شمولاً من القبة المعروفة الآن، بفضل إضافة الرعود والبروق والغيوم إليها. لكن عباس بن فرناس لم يجد إنصافاً من عصره، ولا من المؤرخين بعد موته، فلقد اتهم من بعض الحاقدين بالمروق والزندقة رغم أنه استهدف من اختراعه تبسيط علوم الفلك لأبناء عصره!

بعد ذلك اخترع عباس بن فرناس الكثير من الابتكارات الرائدة، من بينها آلة لمعرفة مواقيت الصلاة كان يسميها "ذات الحلق" وأهداها إلى أمير قرطبة في ذلك الحين. كما اخترع تماثيل جميلة تتحرك من تلقاء نفسها، ونوعاً نادراً من الزجاج، والكثير من الاختراعات الأخرى. ثم نصل إلى الاختراع الذي يشير إليه المؤرخون بتهكم، وهو محاولته الطيران، حيث كسا جسمه بالريش، وصنع لنفسه جناحين، وصعد مكاناً عالياً في إحدى مناطق قرطبة، وقفز من هناك، وطار في الجو مسافة محدودة، ثم وقع على الأرض وأصيب في ظهره، لأنه لم يحسن الاحتياط في الهبوط.

ومع أن هذه المحاولة الرائدة حققت قدراً لا بأس به من النجاح بالقياس إلى ظروف عصره، فإن المؤرخين يشيرون إليها إشارة عابرة تحمل قدراً من السخرية، ويتجاهلون أن صاحبها لم يكن جاهلاً أو مجنوناً، بل كان عبقرياً سبق عصره. تشهد على ذلك اختراعاته الكثيرة، فضلاً عن أنه كان شاعراً فذاً وموسيقياً بارعاً.
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة