عقدة نابليون
سواء اتفق الناس مع نابليون بونابرت أم لا، فإن تاريخه لا يمكن تجاهله. فقد كان قائداً عسكرياً بارزاً سطع نجمه في الثورة الفرنسية، ولا يزال أثره ظاهراً في فرنسا حتى اليوم من خلال معالم وتشريعات ارتبطت باسمه، مثل قانون نابليون المدني وقوس النصر، أحد أبرز معالم شارع الشانزليزيه. وبحلول أواخر العشرينيات من عمره، كان قد أصبح واحداً من أعظم الجنرالات في تاريخ أوروبا. وانتخب قنصلاً أول لفرنسا مدى الحياة عام ١٨٠٢، ثم توج إمبراطوراً للفرنسيين عام ١٨٠٤. وخلال عشر سنوات من حكمه، تمكن من غزو إسبانيا وألمانيا وبولندا والنمسا وإيطاليا، وكان يرى نفسه رجلاً عظيماً في التاريخ.

لكن رغم هذه الإنجازات، بقيت تلاحقه صورة نفسية ارتبطت به لاحقاً، وهي ما يعرف بعقدة نابليون. والمفارقة أن نابليون لم يكن قصير القامة كما اشتهر عنه، بل كان متوسط الطول، إذ بلغ طوله متراً وسبعين سنتيمتراً. ومن هنا يبرز السؤال عن أصل هذه الصورة التي ربطت بينه وبين الشعور بالنقص.

يبدو أن هذه الفكرة ترسخت إلى حد كبير بسبب الدعاية البريطانية الساخرة، إذ كان الإمبراطور الفرنسي يكره أن يصور على أنه قصير القامة، وهو ما استغله البريطانيون، ولا سيما رسام الكاريكاتور جيمس جيلراي، الذي تعمد تصويره بحجم صغير سخرية منه وإزعاجاً له. وسرعان ما أصبحت صورة نابليون القصير شكلاً مألوفاً في الرسوم الإنجليزية الساخرة، وتحولت إلى مادة متكررة في الهجاء السياسي. ومن أشهر تلك الرسوم تصويره إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني الطويل القامة وهما يتقاسمان العالم، حيث بدا نابليون صغير الحجم وكأنه يعاني حتى يأخذ قضمة من أوروبا.

كما انتشر تعبير ليتل بوني، الذي يحمل معنى تصغيرياً وساخراً لشخصية الإمبراطور الفرنسي. ووفقاً لما ورد في النص، لم يبدأ هذا التعبير بالانتشار إلا عام ١٨٠٣، عندما ظهر رسم ساخر يصور نابليون محاطاً بأفكار مهووسة عن بريطانيا وفي حالة غضب طفولي. وقد شاع هذا الوصف بقوة بعد ذلك، حتى إن نابليون قال عن جيلراي مرة إنه فعل أكثر من كل جيوش أوروبا لإسقاطه. وطالب بريطانيا بفرض رقابة على صحافتها، معتبراً تلك الرسوم استفزازاً متعمداً، لكن بريطانيا تجاهلت مطالبه. وهكذا ترسخت في الأذهان، لعقود طويلة، صورة نابليون بونابرت بوصفه قائداً قصير القامة، في مثال واضح على أن التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، بل يرسمونه أيضاً.
معلمة maalama.com
X    facebook    whatsapp

معلومات مختارة