موزارت
كان النجاح المبكر الذي حققه ولفجانج أماديوس موزارت نجاحاً سريعاً منقطع النظير. ففي الثالثة من عمره كان يشارك شقيقته في دروس الموسيقى، وعندما بلغ الثامنة كان قد كتب موسيقى للبيانو وأكثر من سوناتة للكمان وسيمفونية. وفي سن السابعة عشرة كان قد كتب حوالي ٢٩ سيمفونية وثمانية أوبرات وموسيقى كنسية وموسيقى للحجرة وموسيقى للبيانو. ولكن على عكس الحال بالنسبة لكثير من العبقريات المبكرة، لم تحترق مواهب موزارت غير العادية بعد أن اجتاز مرحلة الطفولة، بل على النقيض من ذلك زادت مؤلفاته الموسيقية بغير حدود، سواء من ناحية المهارة الفنية أو عمق الإحساس. ومن ثم فعلى الرغم من وفاته المبكرة، فإنه يعتبر اليوم واحداً من أعظم المؤلفين الموسيقيين الذين عاشوا على الأرض.

ولد موزارت في سالزبورج بالنمسا يوم ٢٧ يناير ١٧٥٦، وكان الابن الوحيد الذي بقي على قيد الحياة لوالده ليوبولد موزارت، الذي كان هو أيضاً عازف كمان موهوباً. وقد لقنه والده الدروس الأولى في الموسيقى. وكان النجاح السريع الذي حققه الطفل سواء في العزف على البيانو أو كمؤلف موسيقى غير عادي ومبكر النضج، داعياً إلى اقتناع ليوبولد بأن القيام بجولة استعراضية قد تكون عملية مربحة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وفعلاً قدم موزارت الصغير في الفترة من ١٧٦٢ إلى ١٧٦٦ عروضاً في ميونيخ، وفيينا، وشتوتجارت، وكولونيا، وبروكسل، وباريس، ولندن. وكان موزارت بمثابة حدث مثير، وتدافع الناس إلى سماعه. وبدأ والداه في التباهي بالعبقرية المبكرة لطفليهما.

وعند عودته إلى سالزبورج أصبح ولفجانج قائد فرقة مساعد لرئيس الأساقفة وهي وظيفة شرفية. وما لبث والده أن أخذه بعد ذلك إلى إيطاليا، موطن الموسيقى في القرن الثامن عشر، وهنا أيضاً أحيط بالإعجاب، وعرضت أوبراه الجديدة "ميترييدات" على مسرح لاسكالا في ميلانو، وهو نصر هائل لطفل في الرابعة عشرة من عمره.

وعندما عاد موزارت مرة ثانية إلى سالزبورج، واجه مشكلة كل العبقريات المبكرة، ألا وهي تهيئة معيشة مناسبة لشاب بالغ. وقل الطلب عليه للعزف، لذا آثر تأليف الموسيقى بمقابل، ولكن كبير أساقفة سالزبورج الجديد كان رئيساً متشدداً، فطلب منه قدراً كبيراً من الموسيقى الكنسية مقابل مرتب منخفض للغاية. وقد قام عام ١٧٧٧ برحلة فنية إلى باريس ولكنها كانت فاشلة، وعند عودته اختلف مع كبير الأساقفة وكثرت المشاحنات بينهما، الأمر الذي دعا إلى استقالة موزارت.

واستقر أخيراً في عام ١٧٨٢ في فيينا وتزوج كونستانس فيبر. وكان زواجاً سعيداً، رغم أنهما كانا معدمين. وقد ثبتت أقدامه "زواج فيجارو" و"دون جيوفاني" و"إيدومينيو" كمؤلف أوبرالي عظيم، ولكنها لم تعد عليه إلا بعائد مادي قليل. وكان لموزارت أصدقاء عديدون في فيينا، من بينهم الموسيقار جوزيف هايدن، الذي أعلن أنه أعظم موسيقار رآه أو سمع عنه على الإطلاق. ولكن على الرغم من أن بعض أصدقاء موزارت كانوا أغنياء، وأيضاً من الأسرة المالكة، فإنه ظل فقيراً. وقد دفعته الحاجة إلى نوبة من التأليف الموسيقي، فتدفقت الأوبرات والسيمفونيات والقداسات الموسيقية والكونشرتات من قلمه المنساب بسرعة مذهلة، بيد أن هذا المجهود أنهك قواه.

وفي يوليو ١٧٩١ طلب منه شخص غريب غامض أن يؤلف قداساً جنائزياً، ودفع له أتعابه مقدماً وبسخاء. وكان لذلك تأثير كئيب على موزارت، الذي كانت صحته قد انهارت بسبب القلق النفسي والإفراط في العمل. وسيطرت عليه فكرة أن منيته لم تعد ببعيدة، وحتى النجاح الكبير الذي لاقته أوبراه العبقرية "الناي السحري" لم يكن ليستطيع انتشاله من انقباضه وكآبته.

وجاءت النهاية في ٥ ديسمبر ١٧٩١ وحمل نعشه الرخيص البسيط على أعناق عدد قليل من أصدقائه في شوارع فيينا وسط عاصفة ثلجية شديدة، ووري التراب في مقبرة للمعوزين. وعندما حاولت زوجته بعد ذلك بسنوات التعرف على مقبرته، كانت الرياح قد ذرت كل أثر لجثمانه.

واليوم يمجد موزارت على أنه واحد من أعظم الموسيقيين، ليس ذلك فحسب، بل إن أعماله من النوع الذي يبعث على الإعجاب بسهولة تدعو إلى الدهشة، وقلما تمر أيام قليلة دون أن تنقل موجات الأثير بعض أعماله. وسيمفونياته المرحة الرخيمة الساحرة إلى أقصى الحدود، مثل "هافنر" (رقم ٣٥) و"براغ" (رقم ٣٨)، وآخر سيمفونياته "جيوبيتر" (رقم ٤١) ما زالت حتى اليوم تبعث البهجة في نفوس المستمعين بنفس القدر الذي كانت عليه إبان حياته. ولم يكن بقدرة موزارت أن ينتج أي عمل يعوزه الصقل أو تنقصه الروعة، سواء كان ذلك سوناتة بسيطة أو رباعية أو أوبرا على نطاق واسع. وبكل ما في جوانحه من صقل، فإنه كثيراً ما يصل إلى أعماق أبعد بكثير مما حققه من تبعوه من الرومانسيين المتقددي العاطفة، والذين كثيراً ما يعتبرون أكثر عمقاً. وتعتبر سيمفونيته (رقم ٤٠) تحفة رائعة. ومن خلال البساطة الظاهرية في كثير من أعماله، فإنه من الميسور تكشف روحه الموسيقية الرائعة التي تكافح من أجل التعبير عن نفسها.
معلمة maalama.com

اشترك في قائمتنا البريدية

هذا النموذج محمي بخدمة reCAPTCHA من Google

معلومات مختارة