تولستوي.. عملاق الأدب الروسي
لم يكن الكونت ليو نيكولايفتش تولستوي من أكبر كتاب روسيا على العهد القيصري فحسب، وإنما كان أيضاً فيلسوفاً وصاحب رسالة اجتماعية يبشر بها من خلال مقالاته ورواياته، رسالة تدعو إلى الرحمة والتعاطف والمساواة بين الناس، حتى ليمكن أن يقال إن كتاباته كانت إحدى البذور التي شاركت في إنبات الثورة الروسية التي نشبت سنة ١٩١٧. ولد تولستوي في سنة ١٨٢٨ ومات سنة ١٩١٠، فعاش قرابة اثنين وثمانين عاماً، إذ ظهرت باكورة إنتاجه ولما يبلغ الرابعة والعشرين بعد. وقد انحدر تولستوي من أسرة من أشراف روسيا تقتني الضياع الشاسعة في مقاطعة ياسنايا بوليانا، ومات أبواه وهو بعد طفل لم يشب عن الطوق، فكفله بعض أقاربه. وفي سنة ١٨٤٤ وهو في السادسة عشرة التحق بجامعة قزان، وأمضى فيها ثلاثة أعوام، انكب خلالها على دراسة اللغات الشرقية والقانون، ثم تركها قبل أن يحصل على مؤهل علمي، ورجع إلى ضيعته، وأمضى بها سنين قلائل.
وفي عام ١٨٥١ التحق بالجيش الروسي، حيث اندمج في الحياة العامة، ومارس التجارب العملية، فتفتحت مواهبه الأدبية، وظهرت أولى قصصه في سنة ١٨٥٢ باسم "الطفولة"، وفيها عبر عن شخصيته وحياته والخواطر المتضاربة في ذهنه، وقوبلت هذه القصة بنجاح كبير شجعه على أن يتبعها بعد عامين بقصة "الصبا"، تحدث فيها عن مراحل صباه، فكانت لها نفس الضجة، فأصدر في سنة ١٨٥٣ قصة ثالثة، وهي "الشباب". وحين نشبت حرب القرم بين تركيا وروسيا حاصر الأتراك مدينة سيباستوبول، واشترك تولستوي في الدفاع عن المدينة المحاصرة، وفي خلال هذا الحصار الطويل عاش كاتباً تجربة قاسية مريرة، ولمس أهوالاً تقشعر لها الأبدان، ورأى الموت يحصد الأرواح بلا حساب، والشبان يتساقطون جثثاً هامدة، حتى لكأن الحياة شيء تافه لا شأن له، فبصمت هذه الأحداث نفسية تولستوي بجراح عميقة، كان من أثرها أن أصدر في سنة ١٨٥٧ كتابه "قصص من سيباستوبول"، بناها على ما شاهده خلال هذه الحرب من مآس رهيبة.
وفي سنة ١٨٥٦ سافر تولستوي إلى بيترسبورج (وهو اسم العاصمة في ذلك العهد)، ففتحت له بيوت الأشراف والنبلاء على مصراعيها، وحظي بمكانة اجتماعية ملحوظة. وسافر بعد ذلك إلى بعض بلاد أوروبا، ودرس أنظمة التعليم المتبعة فيها، فلما عاد إلى بلاده أنشأ في ضيعته في ياسنايا مدرسة لتعليم أولاد الفلاحين مجاناً، واقتبس فيها الكثير من طرائق التعليم التي شاهدها في أوروبا. وحين أشرف على الرابعة والثلاثين (أي في سنة ١٨٦٢) تزوج صوفي بيرس، وأمضى معها حياة هانئة حافلة بالسعادة، لزم فيها ضيعته، شبه معتكف عن الناس. وفي هذه الفترة من حياته كتب أروع قصصه، وهي رواية "الحرب والسلام" ولم يكن قد بلغ الأربعين بعد، ثم أتبعها بروايته الأخرى الرائعة "أنا كارينين"، وهو في الرابعة والأربعين.
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة أن تولستوي كان يستلهم من الواقع موضوعات رواياته الأولى "الطفولة" و "الصبا" و "الشباب"، فيسرد الوقائع ويعقب عليها بالتحليل والتفسير، أما في قصتيه الأخيرتين "الحرب والسلام" و "أنا كارينين" فكانتا مزيجاً من الخيال والواقع، وإن كان في الأولى قد بث آراءه الفلسفية، أما في الثانية فاستمد هيكلها الأساسي من حادث وقع بجوار بيته عن امرأة ألقت بنفسها منتحرة تحت عجلات القطار، ولكنه أسبغ عليها من خياله وتحليلاته ما حمل النقاد على وصفها بأنها من أعظم الروايات العالمية. وبعد أن أصدر تولستوي هاتين الروايتين تغيرت نظرته إلى المجتمع، وتخلى عن مشاعر التفاؤل، وبدأ يفكر في الدنيا بأسلوب رجل الأخلاق المثالي الصارم، جاعلاً من نفسه داعية للمثاليات والفضائل، كاشفاً للعالم عما في الدنيا من شرور ومفاسد، محاولاً أن يرفع النفس الإنسانية إلى مستوى الكمال. وفي سنة ١٨٨٢، وهو في الرابعة والخمسين، أصدر كتابه "اعترافات" الذي شرح فيه فلسفته، فكان أصدق تعبير عن الأزمة النفسية التي كابدها طوال السنوات الأخيرة. كما كتب أيضاً في تلك الحقبة من حياته العديد من الرسائل والأبحاث الأخلاقية.
وبلغ من إيمان تولستوي بفلسفته ورسالته الإنسانية أن وهب إلى فلاحيه جميع أرضه، وهو الإقطاعي الفاحش الثراء، كما أعتق عبيده وأرقاءه. وقد أغضب الكنيسة من تولستوي دعوته التحررية، وما كان يبثه في تلامذته مدرسة من تعاليم يهاجم بها المعتقدات البالية، فأصدرت في سنة ١٩٠١ قراراً بحرمانه من بركاتها. وفي سنة ١٩١٠ مات الفيلسوف الروسي العظيم كئيباً مكروب النفس لعجزه عن تحقيق المثل العليا في دنياه. إذا كان تولستوي بين كتاب روسيا هو العملاق الذي لا نظير له، والذي احتل في الأدب العالمي مكانة بارزة جعلت رواياته وكتبه تترجم إلى جميع اللغات الحية ومن بينها العربية، كما مثل بعضها في السينما، وإذا كان تولستوي يعد واحداً من الذين شاركوا بكتاباته في وضع أسس الثورة الروسية، ودفع الشعب الروسي إلى تحطيم قيود الذل والاستعباد والرق التي كان يرسف فيها تحت حكم القياصرة الطغاة، فإنه لم يكن وحده فارس هذا الميدان، بل شاركه في النضال، وبث دعاية الانطلاق والحرية رهط من كبار الكتاب والأدباء، بل إن بعضهم كان أكثر جرأة وصراحة من تولستوي، وإن كان مصير الكتاب الثوري المتمرد في روسيا هو السجن أو النفي إلى مجاهل سيبيريا.
ومن بين كتاب روسيا المشهورين ألكسندر بوشكين (١٧٩٩ - ١٨٣٧) الذي اعتبر بحق "ملك الشعراء غير المتوج"، والذي ترددت أشعاره الرائعة في بداية القرن التاسع عشر، ولبثت بعد ذلك أكثر من مائة عام من أروع الشعر الروسي، كما ألف مجموعة من القصص، من أشهرها "الصياد والسمكة". في حين كان أليكسيس كولتسوف (١٨٠٩ - ١٨٤٢) هو أكبر شعراء الأغاني الشعبية في روسيا. أما بالنسبة للرواية الروسية فلم تكن ذات طابع فني سليم إلى أن ظهر نيكولاس جوجول (١٨٠٩ - ١٨٥٢)، وخرج بروايات رائعة الحبكة ذات قواعد سليمة، من بينها الرواية الوطنية الشهيرة "تاراس بولبا" التي ترجمت إلى العديد من اللغات وأخرجت أيضاً في السينما، وهو يعد بحق واضع أساس القصة في روسيا. أما فيدور دوستويفسكي (١٨٢١ - ١٨٨١) من أبطال القصة العالميين، وله مقدرة عجيبة في التحليل النفسي وصياغة المأساة. ومن أشهر قصصه الجريمة والعقاب، والإخوة كارامازوف. ثم جاء إيفان تورجنيف (١٨١٨ - ١٨٨٣) فكان سيد النثر الواقعي في روسيا، ومن أشهر كتبه ذات الأسلوب القصصي "الآباء والأبناء"، وكذلك "الأرض العذراء". واشتهر أنطون تشيخوف (١٨٦٠ - ١٩٠٤) بقصصه القصيرة التي تناول فيها الشخصيات المختلفة للمجتمع الروسي، وقد ترجمت جميعها تقريباً إلى اللغة العربية، والطابع الغالب فيها هو التشاؤم واليأس، وإن غلف هذه المشاعر بمسحة من الدعابة. أما مكسيم جوركي (١٨٦٨) فكان كاتباً ثائراً، اتخذ من رواياته منبراً للدعوة الصريحة إلى الاشتراكية والدفاع عن حقوق الكادحين والفلاحين. وهكذا ظهرت في روسيا مجموعة من الكتاب وضعوا أسس الثورة الروسية، حتى انتهى الأمر باندلاعها والقضاء على حكم القياصرة، وكان تولستوي في مقدمتهم وجوركي في نهاية الصف.
وفي عام ١٨٥١ التحق بالجيش الروسي، حيث اندمج في الحياة العامة، ومارس التجارب العملية، فتفتحت مواهبه الأدبية، وظهرت أولى قصصه في سنة ١٨٥٢ باسم "الطفولة"، وفيها عبر عن شخصيته وحياته والخواطر المتضاربة في ذهنه، وقوبلت هذه القصة بنجاح كبير شجعه على أن يتبعها بعد عامين بقصة "الصبا"، تحدث فيها عن مراحل صباه، فكانت لها نفس الضجة، فأصدر في سنة ١٨٥٣ قصة ثالثة، وهي "الشباب". وحين نشبت حرب القرم بين تركيا وروسيا حاصر الأتراك مدينة سيباستوبول، واشترك تولستوي في الدفاع عن المدينة المحاصرة، وفي خلال هذا الحصار الطويل عاش كاتباً تجربة قاسية مريرة، ولمس أهوالاً تقشعر لها الأبدان، ورأى الموت يحصد الأرواح بلا حساب، والشبان يتساقطون جثثاً هامدة، حتى لكأن الحياة شيء تافه لا شأن له، فبصمت هذه الأحداث نفسية تولستوي بجراح عميقة، كان من أثرها أن أصدر في سنة ١٨٥٧ كتابه "قصص من سيباستوبول"، بناها على ما شاهده خلال هذه الحرب من مآس رهيبة.
وفي سنة ١٨٥٦ سافر تولستوي إلى بيترسبورج (وهو اسم العاصمة في ذلك العهد)، ففتحت له بيوت الأشراف والنبلاء على مصراعيها، وحظي بمكانة اجتماعية ملحوظة. وسافر بعد ذلك إلى بعض بلاد أوروبا، ودرس أنظمة التعليم المتبعة فيها، فلما عاد إلى بلاده أنشأ في ضيعته في ياسنايا مدرسة لتعليم أولاد الفلاحين مجاناً، واقتبس فيها الكثير من طرائق التعليم التي شاهدها في أوروبا. وحين أشرف على الرابعة والثلاثين (أي في سنة ١٨٦٢) تزوج صوفي بيرس، وأمضى معها حياة هانئة حافلة بالسعادة، لزم فيها ضيعته، شبه معتكف عن الناس. وفي هذه الفترة من حياته كتب أروع قصصه، وهي رواية "الحرب والسلام" ولم يكن قد بلغ الأربعين بعد، ثم أتبعها بروايته الأخرى الرائعة "أنا كارينين"، وهو في الرابعة والأربعين.
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة أن تولستوي كان يستلهم من الواقع موضوعات رواياته الأولى "الطفولة" و "الصبا" و "الشباب"، فيسرد الوقائع ويعقب عليها بالتحليل والتفسير، أما في قصتيه الأخيرتين "الحرب والسلام" و "أنا كارينين" فكانتا مزيجاً من الخيال والواقع، وإن كان في الأولى قد بث آراءه الفلسفية، أما في الثانية فاستمد هيكلها الأساسي من حادث وقع بجوار بيته عن امرأة ألقت بنفسها منتحرة تحت عجلات القطار، ولكنه أسبغ عليها من خياله وتحليلاته ما حمل النقاد على وصفها بأنها من أعظم الروايات العالمية. وبعد أن أصدر تولستوي هاتين الروايتين تغيرت نظرته إلى المجتمع، وتخلى عن مشاعر التفاؤل، وبدأ يفكر في الدنيا بأسلوب رجل الأخلاق المثالي الصارم، جاعلاً من نفسه داعية للمثاليات والفضائل، كاشفاً للعالم عما في الدنيا من شرور ومفاسد، محاولاً أن يرفع النفس الإنسانية إلى مستوى الكمال. وفي سنة ١٨٨٢، وهو في الرابعة والخمسين، أصدر كتابه "اعترافات" الذي شرح فيه فلسفته، فكان أصدق تعبير عن الأزمة النفسية التي كابدها طوال السنوات الأخيرة. كما كتب أيضاً في تلك الحقبة من حياته العديد من الرسائل والأبحاث الأخلاقية.
وبلغ من إيمان تولستوي بفلسفته ورسالته الإنسانية أن وهب إلى فلاحيه جميع أرضه، وهو الإقطاعي الفاحش الثراء، كما أعتق عبيده وأرقاءه. وقد أغضب الكنيسة من تولستوي دعوته التحررية، وما كان يبثه في تلامذته مدرسة من تعاليم يهاجم بها المعتقدات البالية، فأصدرت في سنة ١٩٠١ قراراً بحرمانه من بركاتها. وفي سنة ١٩١٠ مات الفيلسوف الروسي العظيم كئيباً مكروب النفس لعجزه عن تحقيق المثل العليا في دنياه. إذا كان تولستوي بين كتاب روسيا هو العملاق الذي لا نظير له، والذي احتل في الأدب العالمي مكانة بارزة جعلت رواياته وكتبه تترجم إلى جميع اللغات الحية ومن بينها العربية، كما مثل بعضها في السينما، وإذا كان تولستوي يعد واحداً من الذين شاركوا بكتاباته في وضع أسس الثورة الروسية، ودفع الشعب الروسي إلى تحطيم قيود الذل والاستعباد والرق التي كان يرسف فيها تحت حكم القياصرة الطغاة، فإنه لم يكن وحده فارس هذا الميدان، بل شاركه في النضال، وبث دعاية الانطلاق والحرية رهط من كبار الكتاب والأدباء، بل إن بعضهم كان أكثر جرأة وصراحة من تولستوي، وإن كان مصير الكتاب الثوري المتمرد في روسيا هو السجن أو النفي إلى مجاهل سيبيريا.
ومن بين كتاب روسيا المشهورين ألكسندر بوشكين (١٧٩٩ - ١٨٣٧) الذي اعتبر بحق "ملك الشعراء غير المتوج"، والذي ترددت أشعاره الرائعة في بداية القرن التاسع عشر، ولبثت بعد ذلك أكثر من مائة عام من أروع الشعر الروسي، كما ألف مجموعة من القصص، من أشهرها "الصياد والسمكة". في حين كان أليكسيس كولتسوف (١٨٠٩ - ١٨٤٢) هو أكبر شعراء الأغاني الشعبية في روسيا. أما بالنسبة للرواية الروسية فلم تكن ذات طابع فني سليم إلى أن ظهر نيكولاس جوجول (١٨٠٩ - ١٨٥٢)، وخرج بروايات رائعة الحبكة ذات قواعد سليمة، من بينها الرواية الوطنية الشهيرة "تاراس بولبا" التي ترجمت إلى العديد من اللغات وأخرجت أيضاً في السينما، وهو يعد بحق واضع أساس القصة في روسيا. أما فيدور دوستويفسكي (١٨٢١ - ١٨٨١) من أبطال القصة العالميين، وله مقدرة عجيبة في التحليل النفسي وصياغة المأساة. ومن أشهر قصصه الجريمة والعقاب، والإخوة كارامازوف. ثم جاء إيفان تورجنيف (١٨١٨ - ١٨٨٣) فكان سيد النثر الواقعي في روسيا، ومن أشهر كتبه ذات الأسلوب القصصي "الآباء والأبناء"، وكذلك "الأرض العذراء". واشتهر أنطون تشيخوف (١٨٦٠ - ١٩٠٤) بقصصه القصيرة التي تناول فيها الشخصيات المختلفة للمجتمع الروسي، وقد ترجمت جميعها تقريباً إلى اللغة العربية، والطابع الغالب فيها هو التشاؤم واليأس، وإن غلف هذه المشاعر بمسحة من الدعابة. أما مكسيم جوركي (١٨٦٨) فكان كاتباً ثائراً، اتخذ من رواياته منبراً للدعوة الصريحة إلى الاشتراكية والدفاع عن حقوق الكادحين والفلاحين. وهكذا ظهرت في روسيا مجموعة من الكتاب وضعوا أسس الثورة الروسية، حتى انتهى الأمر باندلاعها والقضاء على حكم القياصرة، وكان تولستوي في مقدمتهم وجوركي في نهاية الصف.
معلمة maalama.com